
الشيخ نعيم قاسم
في وقتٍ يغلي فيه الميدان الجنوبي على وقع نيران لا تهدأ، وتتسارع فيه الخطى الدبلوماسية الدولية لانتشال لبنان من دوامة الانهيار الشامل، برزت إلى السطح تسريبات سياسية بالغة الحساسية، تداولتها أروقة الكواليس ووصل صداها إلى “صوت بيروت إنترناشيونال”.
هذه التسريبات لا تتحدث عن مجرد وقف لإطلاق النار، بل تذهب بعيداً نحو طرح “حلول جراحية” تتعلق بمصير الهرم القيادي في حزب الله المحظور امنياً وعسكرياً، وتحديداً الأمين العام الشيخ نعيم قاسم.
تتأرجح المبادرة الفرنسية الحالية بين ضفتين، ضفة السعي لجمع لبنان وإسرائيل على طاولة مفاوضات برعاية أميركية، وضفة النفي القاطع بأن تحركاتها تهدف فقط لتجميد الصراع دون حل جذري. لكن “الهمس” الدبلوماسي الأخير كشف عن مقترح قد يبدو خيالياً للوهلة الأولى، وهو إجلاء الشيخ نعيم قاسم المحظور إلى فرنسا كجزء من تسوية كبرى تضمن وقف التوغل البري الإسرائيلي وتحمي ما تبقى من هيكلية الحزب من الاستهداف المباشر ليتحول الى حرب سياسي.
هذا الطرح يعيد إلى الأذهان “الذاكرة السياسية” اللبنانية المثقلة باللجوء إلى الخارج، وتحديداً تجربة رئيس الجمهورية السابق ميشال عون، الذي أمضى سنوات في فرنسا بعد لجوئه إلى السفارة الفرنسية في بيروت. فهل يُراد لنعيم قاسم أن يسلك المسار ذاته؟
رغم إغراءات “الحل الدبلوماسي”، يصطدم هذا المقترح بجدران من الرفض والتعقيدات: من شبه المؤكد أن قاسم، الذي يتبنى خطاب “النصر أو الشهادة”، لن يقبل بمقترح يُصوّره كفارّ من الميدان، كما ان انتقال شخصية بوزن قاسم، المصنف حزبه على قوائم الحظر في العديد من العواصم، سيفجر موجة غضب عارمة داخل المجتمع الفرنسي والقوى اليمينية، مما يضع حكومة ماكرون في مأزق سياسي داخلي لا تُحمد عقباه.
تشير المعلومات إلى أن موسكو، التي عُرض عليها طرح مشابه سابقاً، رفضت بشكل قاطع احتواء شخصيات لا تتمتع بصفة سياسية رسمية في الدولة اللبنانية، مما يضيق الخناق على خيارات “الخروج الآمن”.
توازياً، تتساءل الأوساط الدبلوماسية اليوم: هل بات الاجتياح البري الإسرائيلي الشامل قدراً لا مفر منه؟ وهل طرح “النفي إلى فرنسا” هو المحاولة الأخيرة لتفادي الأسوأ؟
الواقع الميداني يشير إلى أن إسرائيل لا تبدو في وارد القبول بـ “أنصاف حلول”، بينما يبدو أن الشيخ نعيم قاسم قد حسم خياره بالبقاء في قلب المعركة، مفضلاً القتال حتى الرمق الأخير على أن يختم مسيرته في منفىً أوروبي، وهو ما يجعل من لبنان ساحة لمواجهة كبرى قد تعيد رسم خارطة النفوذ في المنطقة بأسرها.