الأربعاء 8 صفر 1448 ﻫ - 22 يوليو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

ازدواجية في النظرة الفرنسية بين الإليزيه والـ"كي دور سيه"

تلاحظ مصادر ديبلوماسية غربية أن السياسة الخارجية الفرنسية تجاه لبنان تحديداً تحمل نوعاً من “الإزدواجية”، تعتقد فرنسا أن اعتمادها مع لبنان يحقق له استقراراً مقبولاً وسط الأوضاع المتشنجة المحيطة في المنطقة، و الصراع الدولي- الإيراني على النفوذ و على مستقبل البرنامج النووي الإيراني.

و تؤكد المصادر على أهمية هذه الإزدواجية في الدور الفرنسي حيال لبنان الذي يمر بأخطر أزمة تاريخية و وجودية. و هذه الإزدواجية تتجسد بالتمايز الموجود بين “الاليزيه” و ال”كي دورسيه” أي وزارة الخارجية بالنسبة الى تفاصيل الموقف، فيما السياسة الخارجية تسير تحت مبدأ موحد.فالرئيس إيمانويل ماكرون الذي يعمل حالياً على حملته الإنتخابية، سيجد أن دوره سيزداد مع تسلم بلاده رئاسة الإتحاد الأوروبي في الأول من كانون الثاني المقبل، و لمدة ستة أشهر. و هو سيسعى الى استثمار موقع فرنسا لانتاج أهداف عديدة من بينها ما يتصل بالوضع اللبناني. كما أنه سيستخدم تأثير رئاسة الإتحاد الأوروبي للضغط على الدول الخليجية من أجل دعم لبنان و العودة الى الإنفتاح عليه.

في الأساس فرنسا حريصة على احترام لبنان للقرارات الدولية، و هي بمثابة “pen holder” للبنان في مجلس الأمن، حيث تكتب المسودات الأولى للقرارات الدولية حوله، و تواجه في المجلس من أجل لبنان و من أجل الحفاظ على توازن معين داخله.
لكن في الوقت نفسه، تقول المصادر، هناك تمايز في السياسة الخارجية الفرنسية، بين سياسية الإليزيه و سياسة “الكي دورسيه”. يبدو واضحاً أن سياسة الرئيس تتصف بأنها على انفتاح على كل ما يخص إيران و “حزب الله” استناداً إلى فكرة التعامل مع لبنان بواقعية أو الى حد ما براغماتية معينة. فمن طريقة مقاربة فرنسا لمسألة السلاح، حيث لم تكن الأولوية لدى ماكرون البحث في هذه المسألة لدى إطلاق مبادرته الشهيرة حول إنقاذ لبنان إثر انفجار مرفأ بيروت. لكن ذلك لم يكن ليعني تخليه عن القرارات الدولية. إنما كانت الأولوية لديه تشكيل حكومة تمسك بزمام الأمور و تضع البلاد على السكة الصحيحة. على أن يتم البحث لاحقاً في إيجاد حل لمشكلة السلاح غير الشرعي و الذي هو مشكلة لبنان الأساسية. و استمر ماكرون على الرغم من فشل مبادرته، في السعي لتشكيل الحكومة، التي عادت لتتشكل بمواصفات غير مطابقة للمبادرة الفرنسية الإنقاذية. و قبلت فرنسا بذلك على اعتبار أن وجود حكومة أفضل من عدم وجودها في وقت يرزح لبنان تحت وطأة أزمة سياسية و إقتصادية غير مسبوقة، و أن الحكومة التي سمحت إيران بتشكيلها بعد مسعى لماكرون معها، يمكنها العمل لتحقيق إصلاحات، كما يمكنها التحضير لإجراء الإنتخابات النيابية التي يعول المجتمع الدولي عليها من أجل التغيير. كما أن ماكرون استمر في اتصالاته الإيرانية و مع “حزب الله” حيال كافة الملفات و منها ما يخص التفاوض مع صندوق النقد الدولي، و حول استئناف عمل جلسات مجلس الوزراء، و حول التحقيق في انفجار المرفأ و لاحقاً من المتوقع أن يلي كل ذلك تفاهماً فرنسياً-إيرانياً حول عدم عرقلة الإستحقاق الإنتخابي اللبناني في الربيع المقبل.

وعلى الرغم من أن “حزب الله” لم يعلق على الدور الفرنسي في “إعلان جدة”، لكنه بحسب المصادر فوجىء بالموقف الفرنسي حيث يعتبر أن الحوار مع باريس قائم و لم ينتظر منها “تطرفاً” بالتوازي معه. لكن الفرنسيين يقولون بحسب المصادر بأن حوارهم مع “حزب الله” ليس إيجابياً دائماً. ففي مرات عدة يقبل الحزب بطروحاتهم و مرات يرفضها، و مرات لا يقدم أجوبة عليها. لكن هدف الحوار معه ليس للإنفتاح على مواقفه، بقدر ما هو للضغط عليه للخروج من التعطيل و العرقلة التي يتبعهما في مقاربته للملفات اللبنانية. إذ أن ماكرون يدرك من هي الجهة المعرقلة و اتباع الديبلوماسية معها، لا يعني التغاضي عن أدائها. بل ان الهدف التوسط من أجل عدم انزلاق لبنان إلى المجهول و للحفاظ على حد مقبول من الإستقرار السياسي و الأمني.

وبالتوازي يضع ماكرون أمام أعينه على عتبة الإستحقاق الرئاسي الفرنسي، مصالح الشركات الفرنسية الكبيرة و التي سبق أن كانت لديها استثمارات في إيران عقب توقيع الإتفاق النووي في العام ٢٠١٥ ، اعتقاداً منه أنه إذا لم يؤمن أسواقاً لهذه الشركات، سينقلب الوضع ضده في الإنتخابات. الأمر الذي يجعله أكثر انفتاحاً على إيران من الأميركيين.

أما الخارجية الفرنسية ال”كي دورسيه”، فإن سياستها أقرب إلى اليمين المتطرف في واشنطن، نظراً لكون الإثنين من المحافظين. و أولوية الخارجية الفرنسية تتفق تماماً مع أولوية الخارجية الأميركية. و بالتالي هناك تشدد من الخارجية يشكل خطاً أحمر لا تتجاوزه السياسة الخارجية الفرنسية.