
مركبات جنود حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة (اليونيفيل) تسير في أحد شوارع مرجعيون، جنوب لبنان، 20 كانون الثاني/يناير 2025. رويترز
على وقع الاعتداءات الاسرائيلية المتواصلة، وبانتظار الرد الاميركي على الرد اللبناني على الورقة الذي كان اودعها الشهر الماضي السفير طوم براك لدى المسؤولين اللبنانيين، يعود ملف قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان “اليونيفيل ” إلى واجهة الاهتمام، مع اقتراب موعد التجديد لولايتها نهاية شهر آب المقبل. وبينما يبدو أن التمديد سيكون في ظاهره تقنيًا روتينيًا كما جرت العادة منذ عام 2006، إلا أن الوقائع السياسية والأمنية المتغيرة تُنذر بتحوّله إلى محطة مفصلية، قد تُرسم على أساسها معالم جديدة لدور هذه القوة الدولية.
في 27 حزيران، وجّهت وزارة الخارجية اللبنانية رسالة رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، طالبت فيها بتمديد ولاية “اليونيفيل” حتى 31 آب 2026، استنادًا إلى قرار صادر عن مجلس الوزراء في 14 أيار. لكن الرسالة، بحسب مصادر دبلوماسية، لم تتضمن تعديلًا جوهريًا في قواعد الاشتباك أو في رؤية لبنان لمهمة “اليونيفل”، بل حافظت على الصيغة التقليدية المعتمدة في السنوات الماضية.
ومع ذلك، تشير أوساط متابعة للملف لـ”صوت بيروت انترناشونال” إلى أن نقاشًا داخليًا بدأ يتبلور حول إمكانية طرح تمديد استثنائي لمرة واحدة ولمدة عامين، يُربط بخطة تدريجية لإعادة انتشار الجيش اللبناني في مناطق عمل “اليونيفيل”، تمهيدًا لإنهاء مهمتها لاحقًا، بشكل يُطمئن الدول المانحة إلى أن هذا الوجود لن يكون دائمًا، ويُظهر التزامًا لبنانيًا باستعادة السيادة جنوبًا.
في المقابل، وبحسب المصادر، فإن بعض الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا تُبدي ارتياحًا لهذا التوجه، إذ تدفع واشنطن، مدعومة من إسرائيل، نحو مراجعة قواعد الاشتباك وتعزيز صلاحيات “اليونيفيل”، بما يسمح لها بالتحرك من دون تنسيق مسبق مع الجيش اللبناني، وزيادة فاعليتها، خصوصًا في ظل تكرار حوادث عرقلة الدوريات وتراجع القدرة الردعية للقوة في الأشهر الأخيرة.
وفي سياق متصل، عادت الاعتداءات الميدانية على “اليونيفيل” إلى الواجهة. فقد سُجّل قبل يومين إشكال في بلدة عيتيت – قضاء صور، عندما اعترض عدد من الأهالي دورية للقوة الدولية كانت تمرّ من دون مرافقة الجيش، ما اعتُبر خرقًا للبروتوكول. تطوّر الموقف إلى تلاسن واحتكاك، قبل أن تتدخل القوى الأمنية لضبط الوضع. وقد أوضح المتحدث باسم “اليونيفيل” أن الدورية كانت منسّقة مسبقًا مع الجيش، لكن عناصر بلباس مدني رشقوا الجنود بالحجارة، ما اضطرهم إلى استخدام قنابل الدخان لتفريق الحشد.
علما ان هذه الحادثة ليست الاولى، بل تكرّرت في الأشهر الماضية، ما يعكس هشاشة الواقع الميداني وغياب الغطاء السياسي الموحد لدور “اليونيفيل ”، ويُعزز الدعوات الأممية لتحديث قواعد عمل القوات الدولية، أو على الأقل فرض آليات تنسيق أكثر صرامة تضمن تنفيذ القرار 1701، ومنع استغلال الجنوب كورقة تفاوضية بين إيران وإسرائيل.
وتلفت المصادر إلى دور فرنسا المحوري في موضوع التمديد “لليونيفيل” حيث تُعدّ من أبرز المدافعين عن بقائها بصيغتها الحالية، نتيجة مساهمتها العسكرية والسياسية فيها. ومع ذلك، بدأت تساؤلات تُطرح في الأوساط الفرنسية حول جدوى استمرار هذه المهمة في ظل غياب رؤية لبنانية واضحة لضبط السلاح غير الشرعي وتعزيز السيادة. وتشير المصادر إلى أن الدعم الدولي لـ”اليونيفيل ” وللجيش اللبناني بات مشروطًا بالتزام لبناني حقيقي بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وضبط المعابر والحدود وتعزيز القرار الأمني.
أمام هذه المعطيات، تطرح المصادر سيناريوهين رئيسيين: الأول، تجديد تقني تقليدي يجنّب التصعيد لكنه يُبقي على واقع أمني هش، والثاني، تمديد استثنائي لعامين يواكبه التزام لبناني بخطة أمنية وسيادية تدريجية تضمن إعادة التموضع وإنهاء المهمة على مراحل.
في الحالتين، تبقى الكرة في ملعب الدولة اللبنانية، فهل تملك الإرادة السياسية لطرح رؤية وطنية متكاملة تعيد بناء الثقة الدولية، أم تكتفي بتأجيل المواجهة وتكريس واقع مأزوم يصعب الخروج منه لاحقًا؟