الأثنين 18 ربيع الأول 1448 ﻫ - 31 أغسطس 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الغطاء الحكومي يحصّن المسار التفاوضي ويكسر معادلة 17 أيار

تُعدّ المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية اليوم محطة مفصلية لا يمكن مقارنتها بسابقاتها، إذ أمسك الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخيوط الصراع الإقليمي المرتبط بالقضية الفلسطينية، وأخرجه من عنق الزجاجة بإعلانه إنشاء «مجلس السلام العالمي»، الذي رسم من خلاله خريطة طريق لقطاع غزة. ومن هناك، انطلقت شرارة التغيير لتطال المنطقة بأكملها، وفي مقدمتها إيران، التي تصدّع مشروعها الإقليمي، فيما تنتظر المصير الذي رسمه الرئيس ترامب.

ورغم الضبابية التي تخيّم على طاولة المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية وتوقفها القسري، فإن الثابت الوحيد هو أن تعثّرها لا يعني سقوطها؛ إذ فرضتها الإرادة الأميركية من خلال اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي يتابعها عن كثب، وصولاً إلى خواتيم لا تشبه اتفاق 17 أيار، لا سيما أن ملامح الخريطة المرسومة للمنطقة بدأت تتضح.

وفي مقاربة للمحطات التي مرّ بها التفاوض بين لبنان وإسرائيل، والتي وصلت سابقاً إلى مرحلة توقيع اتفاق 17 أيار، ومقارنتها بالمرحلة الحالية، يرى مصدر دبلوماسي، تحدث إلى موقع «صوت بيروت إنترناشونال»، أن «ما يميّز ملف التفاوض اليوم عن المرحلة السابقة، التي أفضت آنذاك إلى اتفاق 17 أيار، هو أن تلك المفاوضات جرت في ظل ظروف قاسية، واجه خلالها رئيس الحكومة آنذاك، شفيق الوزان، ضغوطاً هائلة فرضتها تعقيدات تلك المرحلة».

وأشار المصدر إلى أن المعطيات السياسية تغيّرت جذرياً، ولا يمكن إسقاط تجربة الماضي على مفاوضات اليوم؛ فالتغييرات التي شهدتها الساحة اللبنانية فرضت نفسها، وباتت رئاسة الحكومة تخوض معركة سياسية من دون أن تهتز أمام اتهامات التخوين.

وتشكّل مواقف رئيس الحكومة نواف سلام أحد عناصر القوة في هذه المرحلة، نتيجة تمسّكه بموقفه الداعم لرئيس الجمهورية، وتنسيقه المباشر معه، وتكراره المطالب التي تنطلق من الحفاظ على السيادة، والتأكيد على الوقف النهائي لإطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وانتشار الجيش اللبناني، ومعالجة ملف الأسرى، وإطلاق مسار إعادة الإعمار.

وتشكّل هذه المطالب الثابتة عنصر قوة ودفع نحو استكمال المسار التفاوضي الذي يقوده رئيس الجمهورية جوزف عون، رغم التعقيدات والضغوط المحيطة به، والتي لا يمكن مقارنتها بتجربة عام 1983، التي يبدو أن الزمن قد طواها.

ومع ثبات رئاسة الحكومة في موقفها إلى جانب رئاسة الجمهورية لمواجهة الضغوط، لم تعد الحكومة مجرد مراقب يواكب مجريات التفاوض، بل باتت تشكّل غطاءً تنفيذياً ووطنياً قادراً على مواجهة الضعف الهيكلي الناتج عن لاءات «الثنائي» الممثَّل على طاولة مجلس الوزراء، والتي قد تتسبب بتصدعات تنعكس سلباً على ملف المفاوضات وتهدّد بإسقاطه.

ورغم أن ظروف توقيع اتفاق 17 أيار عام 1983 جاءت نتيجة الاجتياح الإسرائيلي وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، وقد تتشابه شكلياً مع الظروف الحالية لناحية احتلال إسرائيل أجزاءً واسعة من لبنان، فإن المشهد اليوم تحكمه معادلة عسكرية مختلفة. فقد دمّرت إسرائيل الجنوب، بمعالمه الجغرافية والمجتمعية، فيما تشير المعطيات التي تكوّنت على الأرض، والتي لم يشهد الجنوب مثيلاً لها خلال الاجتياحات السابقة، إلى أن هذه قد تكون المرحلة الأخيرة من الصراع.

لذلك، يبدو أن هذا التفاوض يأتي بنسخة جديدة، ولن يتوقف قبل الوصول إلى نتائج. وتكمن قوة الإجماع الذي يلقاه هذا المسار في دعم رئاسة الحكومة له؛ إذ توحي مواقفها بأنها لن تتراجع عن قناعاتها.

ويُضاف إلى ذلك أن الضغوط التي يتعرض لها رئيس الحكومة من فريق مستمر في المسار الذي جلب دماراً لم يعهده تاريخ لبنان، لن تدفعه إلى التراجع في هذه المرحلة المصيرية، التي ترسم ملامح جديدة للمنطقة، وتعيد إلى لبنان سيادته وقراره الوطني.

وقد أظهر سلام ثباتاً في مواقفه وقناعاته الداعمة لرئيس الجمهورية، وكررها في تصريحات شدّد فيها على استعادة الدولة سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وألّا يكون لبنان ساحةً أو صندوق بريد لصراعات الآخرين، وعلى حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وأن يُتخذ هذا القرار على طاولة مجلس الوزراء.

كما أكد أن التفاوض «ليس استسلاماً»، بل قد يكون «الطريق الأقل كلفة لحماية لبنان ووقف الحرب». وستشكّل هذه المواقف الفارق بين مسار تفاوضي يسقط من الداخل، وآخر يمتلك الغطاء السياسي الكافي للوصول إلى خواتيمه.