
رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل
تترقب الساحة اللبنانية الانتخابات النيابية المقبلة، التي باتت تشكل محطة فارقة ومثيرة للجدل، لا سيما مع المخاوف المتزايدة من محاولات تعطيلها أو التلاعب بنتائجها. يبرز ملف اللبنانيين المغتربين كعنصر حاسم ومؤثر بشكل كبير على موازين القوى. يشكل هؤلاء المغتربون، وخصوصًا الجيل الجديد منهم، كتلة تصويتية ضخمة تختلف توجهاتها السياسية بشكل واضح عن الخط التقليدي لحزب الله وحلفائه. غالبيتهم يميلون إلى التصويت لقوى معارضة أو تغييرية، مما يشكل تهديدًا مباشرًا للكتلة النيابية لحزب الله وحلفائه. لذا، فإن عرقلة التصويت الاغترابي وعدم تفعيل “الميغاسنتر” (الدوائر الانتخابية الكبرى للمغتربين) ليس سوى تكتيك واضح ومكشوف للحد من تأثير هذا الصوت المحتمل.
يؤكد خبراء في الشأن الانتخابي أن حزب الله وحركة أمل يمتلكان القدرة على تأمين غالبية المقاعد الشيعية، مع احتمال ضئيل لخسارة مقعد واحد على الأكثر. هذا الواقع يعكس سيطرتهما على هذه البيئة. ومع ذلك، لا يكمن الهاجس الأكبر للحزب في مقاعده الشيعية الأساسية، بل في القدرة على الحفاظ على نفوذ حلفائه وإضعاف القوى المناهضة له في الطوائف الأخرى. فالحزب يدرك أن قوته لا تنبع فقط من كتلته المباشرة، بل من شبكة التحالفات التي تضمن له الأغلبية النيابية، وتساهم في تشكيل الحكومة، وانتخاب رئيس الجمهورية.
ولعل العلاقة مع التيار الوطني الحر هي خير مثال على هذه الحسابات المعقدة. فعلى الرغم من أن التيار الوطني الحر قد يعلن تأييده لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وهو موقف يتناقض ظاهريًا مع سياسة حزب الله، إلا أن التحالف معه يشكل مصلحة استراتيجية بالغة الأهمية للحزب. في المقابل، يجد التيار الوطني الحر في هذا التحالف “رافعة” له، خاصة وأنه محاط بخصوم أقوياء مثل القوات اللبنانية وغيرها من الأحزاب والقوى المعارضة. هذا التوازن الدقيق من المصالح هو ما يحاول حزب الله الحفاظ عليه بأي ثمن.
يعتبر الخبراء عبر موقع “صوت بيروت انترناشيونال”، أن حزب الله يفضل سيناريوهات التأجيل أو التمديد، وحتى عدم إجراء الانتخابات على الإطلاق، هذا التفضيل لا يأتي من فراغ، فالإحصاءات والتقديرات تشير إلى “خسارة مدوية لحلفائه في الانتخابات المقبلة”، كما أن هذا السيناريو الكارثي، من وجهة نظر الحزب، يعني أن “الأكثرية المطلقة ستكون ضد حزب الله” في البرلمان الجديد.
ويضيف الخبراء، “فقدان الأغلبية النيابية سيترتب عليه نتائج وخيمة على نفوذ الحزب وقدرته على التحكم بمسار القرارات في البلاد، أبرز هذه النتائج هي فرض رئيس حكومة “سيادي بامتياز”، وهو ما قد يعني الإبقاء على شخصيات مثل رئيس الحكومة الحالي نواف سلام، أو تعيين شخصية مستقلة وقوية تتبنى سياسات لا تتوافق مع أجندة الحزب، رئيس حكومة كهذا، مدعومًا بأغلبية معارضة، قد يشكل تحديًا كبيرًا لسلطة حزب الله، ويحد من قدرته على فرض أجندته في التعيينات والإصلاحات وحتى السياسة الخارجية.
توضح هذه المعطيات أن حسابات حزب الله الأولية تنصب على “تطيير” الانتخابات بشكل كامل، أو على الأقل الحد من تأثير الصوت الاغترابي إلى أقصى درجة ممكنة. ففي ظل المعايير الحالية، بات واضحًا أن التيار الوطني الحر، الذي كان حليفًا استراتيجيًا، لن يكون قادرًا على توفير الدعم الكافي للحزب لضمان الأغلبية المطلوبة. هذا الواقع يستوجب على الحزب “القيام بعملية تؤخر حصول الانتخابات لتمرير الوقت وتحسين أوضاع الحلفاء”.