
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي
تتسارع دقات الساعة السياسية في طهران، ومعها تزداد حدة التكهنات حول المسار الذي سيسلكه المرشد الأعلى، علي خامنئي، في مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة، لا سيما مع عودة دونالد ترامب إلى المشهد السياسي الأميركي بكل ما يحمله من إرث “الضغوط القصوى”. المعلومات الواردة من كواليس القرار الإيراني، والتحليلات التي حصل عليها موقع “صوت بيروت إنترناشيونال”، تشير إلى أن النظام الإيراني يقف اليوم أمام مفترق طرق وجودي، حيث لم يعد التراجع مجرد خيار سياسي، بل بات يمس جوهر “الثورة الإسلامية” التي انطلقت عام 1979.
بالنسبة للمرشد الأعلى، فإن البرنامج النووي ليس مجرد مشروع تقني أو عسكري، بل هو “درع الهوية” السياسية للنظام. يرى الخبراء أن خامنئي يعتقد يقيناً أن أي تراجع صريح عن الطموحات النووية سيعني اعترافاً ضمنياً بفشل مشروع الثورة الذي صمد لأكثر من أربعة عقود.
هذا الانكسار، إن حدث، سيكون بمثابة “هزيمة رمزية” أمام الخصم اللدود، دونالد ترامب، الذي يرى فيه النظام الإيراني تجسيداً لسياسة الإخضاع. لذا، فإن المعادلة لدى المرشد واضحة: البقاء في المواجهة هو ضمانة لاستمرار الشرعية الثورية، بينما التراجع هو بداية السقوط.
مع اشتداد الأزمات الاقتصادية وتلويح واشنطن بضربات محتملة، يبدو أن طهران بدأت تحضر “خطة بديلة” للحفاظ على ماء الوجه. هنا يأتي دور الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
تشير التقديرات إلى أن خامنئي قد يلجأ إلى “مناورة تبادل الأدوار”؛ بحيث يتم تصدير بزشكيان وحكومته لتقديم تنازلات “مؤلمة” أو الدخول في مفاوضات عسيرة تحت شعار “الواقعية السياسية” أو “المرونة البطولية” بنسختها الجديدة. هذا التكتيك يهدف إلى:
– حماية صورة المرشد: بقاء خامنئي بعيداً عن “عاره” السياسي المتمثل في التنازل المباشر.
– تخفيف الضغط الدولي: تقديم بزشكيان كوجه إصلاحي قادر على الحوار لامتصاص غضب إدارة ترامب.
– الانسحاب التدريجي: تمكين النظام من التراجع خطوة إلى الوراء دون إعلان الهزيمة رسمياً، بل تحت غطاء “ضرورات الدولة” التي يقدرها الرئيس.
على الجانب الآخر، تبرز القراءة “العقائدية” التي يتبناها المقربون من دوائر القرار الضيقة. هؤلاء يرون أن خامنئي، في حال استنفاد تكتيكات المناورة، قد يختار “المواجهة الشاملة”. هذا الخيار، رغم خطورته، ينبع من إيمان عميق بأن الأنظمة “المستبدة” أو “الثورية” تفضل النهاية الصادمة على التلاشي البطيء.
إذا قرر خامنئي إطلاق ما يوصف بـ “رصاصة الرحمة” عبر التمسك بالمواجهة العسكرية أو التصعيد النووي الأقصى، فإنه يضع النظام أمام احتمالين لا ثالث لهما: “الانفجار الكبي” الذي قد يؤدي إلى صدام مباشر يغير وجه المنطقة، “التغيير الجزئي القسري”، وهو السيناريو الذي يتوقعه بعض الخبراء، حيث تؤدي المواجهة إلى سقوط حكم “المرشدية” (ولاية الفقيه) كصيغة سلطوية مطلقة، مع الإبقاء على التيار الإصلاحي كواجهة لإدارة شؤون الدولة، مما يعني تحولاً جذرياً في هيكلية النظام من “الثورة” إلى “الدولة التقليدية”.
إن المشهد الإيراني الحالي ليس مجرد أزمة دبلوماسية، بل هو صراع بين إرث المرشد وطموحات جيل جديد يمثله التيار الإصلاحي في السلطة. هل ينجح خامنئي في استخدام بزشكيان كـ “مصد صدمات” لتجاوز عاصفة ترامب؟ أم أن المواجهة باتت حتمية لتكتب الفصل الأخير من تاريخ “حكم المرشدية” كما عرفه العالم منذ 1979؟
الأيام القادمة، والتحركات في فيينا وواشنطن وطهران، هي من ستحدد ما إذا كانت “رصاصة” خامنئي ستصيب خصومه أم ستكون رصاصة الرحمة على نظامه نفسه.