
موقع غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت. رويترز
أخيراً، وللمرة الأولى في تاريخ الشرق الأوسط الحافل بالخطابات الرنانة والمستند إلى خطوط حمراء ذابت كالسكر في شاي الدبلوماسية، وجدنا سبباً حقيقياً لنقولها من أعماق قلوبنا المثقلة بالأنقاض: شكراً إيران!
نعم، شكراً لطهران التي بحسب “أوركسترا المحور” في لبنان، أصرّت، وألحت، وضغطت بكل ثقلها الإقليمي ليشمل اتفاق وقف إطلاق النار الساحة اللبنانية. وبفضل هذا الإصرار الشجاع، أثمرت مفاوضات واشنطن بالأمس عن اتفاق “شامل ومشروط”، جاء كبلسم يداوي الجراح… أو ربما كحبل يلتف بأناقة حول عنق ما كان يُسمى “المقاومة الإسلامية”.
شكرنا لإيران ليس مجانياً، بل هو مدفوع الثمن من “باقة الإنجازات” السيادية التي تضمنها الاتفاق. شكراً لإيران لأنها، بحنكتها الدبلوماسية الفائقة، صاغت بنداً تاريخياً يقضي بخروج حزب الله من جنوب نهر الليطاني، وتفكيك بنيته العسكرية تحت إشراف دولي. شكراً لطهران التي رسخت مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، لتمنع أي “جهة غير حكومية” وهي الصيغة الدبلوماسية المهذبة لعبارة “الحزب المحظور” من مجرد تحريك ساكن أو رفع راية في الجنوب.
ولأن الكرم الإيراني لا يعرف حدوداً، لم تبخل طهران على الجانب الآخر، فقدمت، بمباركتها ورضاها، “حرية الحركة والعمل” للجيش الإسرائيلي في الأجواء والأراضي اللبنانية في حال حدوث أي خرق. يا له من إنجاز، ويا له من تنسيق مذهل بين “محور الممانعة” ومطالب “المستكبرين”!
إذا كانت طهران هي العرّاب الحقيقي لهذه البنود التي تنهي عملياً الوجود المسلح والسياسي للحزب في معقله التاريخي، وتجرّده من فائض قوته، فمن الطبيعي، بل من الواجب الأخلاقي، أن نرفع لها القبعات ونقول: شكراً لإيران على هذا الموت السريري المغلّف برداء “الانتصار”.
أما المفارقة المضحكة المبكية في هذا المشهد السريالي، فلا تكمن في الدبلوماسية الإيرانية البراغماتية التي تعرف متى تبيع الأوراق لتشتري بقاءها، بل تكمن في “الأتباع” المحلّيين في بيروت. هؤلاء الذين ما زالوا يخرجون على الشاشات برؤوس مرفوعة، يقنعون أنفسهم بأن تفكيك السلاح هو “إعادة تموضع”، وأن الانسحاب هو “تكتيك”، وأن السيادة الإسرائيلية الجوية هي “تنسيق”.
يبدو أن أتباع المحور في لبنان قد صدقوا الكذبة الإيرانية بالكامل، وشربوا نخب “النصر” من كأس الهزيمة المرّة. “صحتين”، وشكراً لإيران التي علمتنا كيف يكون “الانتصار” نفقاً مظلماً ينتهي بتسليم المفاتيح!