السبت 8 ربيع الثاني 1448 ﻫ - 19 سبتمبر 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

عون أمام احتمال الاتهام... خبير دستوري يفكك العقد القانونية

تصدّرت المعلومات المتداولة عن مطالعة المحامي العام التمييزي، القاضي محمد صعب، الاهتمامات، ولا سيما أنها تضمنت، بحسب ما نُشر، طلباً بتوجيه الاتهام إلى الرئيس السابق ميشال عون بجرم التقصير والإهمال في قضية انفجار مرفأ بيروت.

وتكتسب هذه التطورات أهمية بالغة ووقعاً استثنائياً، إذ يرد اسم رئيس الجمهورية السابق في التحقيقات، ليس لمجرد الإشارة إليه أو الاستماع إلى إفادته، بل في سياق طلب اتهامه بالمسؤولية عن الإهمال وعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة، رغم علمه المسبق بوجود نيترات الأمونيوم وخطورتها.

ولا يعني طلب النيابة العامة، في حال ثبوت مضمون المطالعة المتداولة، أن الاتهام قد صدر أو أن المسؤولية أصبحت ثابتة، إذ يبقى للمحقق العدلي أن يدرس المطالعة والأدلة، وأن يقرر الأخذ بها أو مخالفتها. إلا أن هذا التطور يضع التحقيق أمام منعطف قانوني ودستوري غير مسبوق في تاريخ الملف.

عقب كارثة انفجار المرفأ في 4 آب 2020، طالب الرئيس ميشال عون بكشف المسؤولين، وأثار فرضية العدوان الخارجي، داعياً إلى طلب صور الأقمار الاصطناعية. وفي 7 آب، أقرّ عون بمعرفته بوجود مواد كيميائية في المرفأ خلال شهر تموز، نافياً مسؤوليته الشخصية، ومحيلًا الأمر إلى التراتبية الإدارية والأمنية.

ولاحقاً، أوضحت رئاسة الجمهورية أن عون تلقّى أول تقرير رسمي من أمن الدولة بشأن نيترات الأمونيوم في العنبر رقم 12 بتاريخ 21 تموز 2020، وأنه طلب متابعة الملف.

إشكالية الاختصاص

في قراءة تحليلية للأبعاد الدستورية والقانونية لهذا التطور، يبدأ الخبير القانوني والدستوري، والمحامي العام الأسبق في المحكمة الخاصة بلبنان، وأستاذ القانون الجنائي الدولي في جامعة ستراسبورغ، الدكتور دريد بشرّاوي، بتوضيح أن موضوع الحصانة لا يُحسم تلقائياً بمجرد خروج الرئيس من القصر، فالعبرة ليست بانتهاء الولاية وحده، وإنما بطبيعة الفعل المنسوب إلى الرئيس ومدى اتصاله بوظيفته الرئاسية.

وفي حالة الرئيس السابق ميشال عون وملف المرفأ، هناك نقاش مشروع حول المسؤولية السياسية؛ فقد علم بوجود النيترات، ما يستوجب البحث في مدى تناسب الإجراءات التي اتخذها مع خطورة المعلومات التي بلغته. لكن الانتقال من المسؤولية السياسية إلى المسؤوليتين التقصيرية والجنائية تعترضه صعوبات قانونية كبيرة، إذ يجب أولاً تحديد ما إذا كان الفعل المنسوب إليه خطأً شخصياً عادياً قابلاً للفصل عن الوظيفة، أم امتناعاً عن استعمال صلاحيات لا يملكها إلا بصفته رئيساً للجمهورية ورئيساً للمجلس الأعلى للدفاع.

لذلك، لا تُحسم المسألة بعبارة «كان يعلم ولم يتحرك»، بل تحتاج إلى إثبات واجب قانوني محدد كان مفروضاً عليه شخصياً، وقدرته الفعلية على التدخل، والإجراء الذي كان يتوجب عليه اتخاذه، فضلاً عن إثبات علاقة سببية جدية بين امتناعه والانفجار.

فإذا كان الواجب المدعى الإخلال به مستمداً من الصفة الرئاسية، كان الفعل متصلاً بالوظيفة، ما يستدعي تطبيق النظام الدستوري الخاص بمسؤولية رئيس الجمهورية، أو على الأقل البحث في مدى انطباقه عليه، ولا يجوز عندئذٍ اعتباره تلقائياً جريمة عادية منفصلة عن الوظيفة.

ويتابع بشرّاوي موضحاً أن الفرق الجوهري يقوم بين الجريمة العادية الشخصية القابلة للفصل عن الوظيفة، وبين الفعل الناشئ عن ممارسة الصلاحيات الرئاسية أو الامتناع عن ممارستها.

وفي حالة الرئيس السابق ميشال عون، يمكن مناقشة وجود تقصير سياسي ووظيفي لعدم اتخاذ خطوات أكثر حسماً بعد العلم بوجود النيترات، لكن الانتقال إلى الإهمال الجنائي، أو اعتباره شريكاً في الجريمة، دونه عتبات قانونية مرتفعة.

فالاشتراك في الجريمة لا يقوم بمجرد العلم أو التقاعس، بل يتطلب إثبات القصد الجرمي، أي العلم بالمشروع الإجرامي وإرادة المساهمة فيه، إلى جانب صدور فعل مساعدة أو تسهيل أو اتفاق.

وإذا ثبت أن الامتناع عن التدخل حصل عمداً بقصد حماية الجهة التي أدخلت المواد أو تمكينها من إبقائها، فقد يفتح ذلك باب البحث في الاشتراك أو التدخل الجرمي، وعندها يمكن تكييف الفعل على أنه جريمة عادية، شرط توافر الأدلة اللازمة. أما مجرد التقصير أو الإهمال الوظيفي أو السياسي، فلا يكفيان لإثبات القصد أو المساهمة في الجريمة.

باختصار، المسؤولية السياسية عن عدم اتخاذ الإجراءات الكافية شيء، والمسؤولية الجزائية عن الإهمال أو الاشتراك في الجريمة شيء آخر، ولا تثبت الثانية تلقائياً انطلاقاً من الأولى.

وعن السؤال عما إذا كان مجرد علم الرئيس بوجود نيترات الأمونيوم وعدم تحركه يكفي قانوناً لإدانته بالتقصير أو الإهمال الجنائي، فالجواب القاطع لبشرّاوي هو: لا.

فالمسؤولية الجزائية عن الامتناع تتطلب شروطاً متلازمة، تبدأ بثبوت تلقي معلومات واضحة وجدية تكشف خطراً فعلياً، مروراً بوجود واجب قانوني محدد وقدرة واقعية على التدخل، وصولاً إلى إثبات علاقة سببية مباشرة بين الامتناع والانفجار، بمعنى أن الإجراء المطلوب كان من شأنه، بدرجة يمكن إثباتها، منع الكارثة.

وفي حالة الرئيس السابق ميشال عون، يؤكد الأخير أنه أحال التقرير إلى الجهات المختصة. لذلك، يتعين على التحقيق أن يحدد ما الإجراء الإضافي الذي كان القانون يفرضه عليه شخصياً، ولماذا لم تكن الإحالة كافية، وما إذا كان ذلك الإجراء قادراً، ضمن الوقت المتاح، على منع الانفجار.

وقد تفتح هذه المعطيات الباب أمام مساءلة سياسية عن عدم رفع مستوى الاستجابة بما يتناسب مع حجم الخطر، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات المسؤولية الجزائية.

وإذا كان الواجب المفترض مستمداً من صلاحيات عون الرئاسية، كدعوة المجلس الأعلى للدفاع أو تحريك مجلس الوزراء بصورة استثنائية وعاجلة، يُعتبر الفعل متصلاً بالوظيفة، ما يستدعي البحث في مدى انطباق المادة 60 من الدستور عليه، ولا يجوز اعتباره تلقائياً جريمة عادية لمجرد انتهاء الولاية.

وفيما يتعلق بصلاحية المحقق العدلي طارق البيطار في الأخذ برأي النيابة العامة، يؤكد بشرّاوي أنه يحق له، من الناحية الإجرائية، أن يدرس مطالعة النيابة العامة التمييزية وأن يأخذ بها أو يخالفها، فهي مطالعة قانونية غير ملزمة وليست قرار اتهام نهائياً.

لكن القضية الأهم تكمن في الإشكالية الدستورية المحيطة بملاحقة رئيس سابق، والتي تتوقف على التكييف القانوني لطبيعة الفعل المنسوب إليه.

فإذا اعتُبر الفعل جريمة عادية شخصية قابلة للفصل عن الوظيفة الرئاسية، أمكن أن ينعقد الاختصاص للقضاء العدلي، وتحديداً للمجلس العدلي في قضية انفجار المرفأ، مع بقاء خلاف دستوري حول أثر انتهاء الولاية في آلية الاتهام المنصوص عليها في المادة 60.

وفي تقدير بشرّاوي، إذا جرى تكييف الفعل المنسوب إلى الرئيس السابق ميشال عون بوصفه جريمة عادية قابلة للفصل عن وظيفته الرئاسية، فيمكن ملاحقته ومحاكمته أمام القضاء العدلي المختص، أي المجلس العدلي في قضية انفجار المرفأ.

ذلك أن المادة 60 من الدستور لا ينبغي تفسيرها على أنها تمنح الرئيس حصانة إجرائية دائمة عن الجرائم العادية بعد انتهاء ولايته؛ فالحماية المرتبطة بمركزه الرئاسي تُبرَّر خلال وجوده في سدّة الرئاسة، ولا تمتد بعد مغادرته المنصب إلا بالنسبة إلى الأفعال المتصلة مباشرةً بممارسة مهامه الدستورية.

أما إذا كان الاتهام مبنياً على أن عون لم يستعمل صلاحياته الدستورية، كعدم دعوة المجلس الأعلى للدفاع إلى اجتماع عاجل أو عدم تحريك مجلس الوزراء، فإن الفعل يصبح متصلاً مباشرةً بمهامه الرئاسية.

وفي هذه الحالة، تقوم حجة دستورية قوية بأن اتهامه عن فعل ناشئ عن ممارسة الوظيفة يجب أن يصدر عن مجلس النواب بأكثرية ثلثي مجموع أعضائه، وأن تتم المحاكمة أمام المجلس الأعلى، وفقاً للمادة 60 من الدستور.

لذلك، فإن إصدار البيطار قراراً اتهامياً من دون حسم طبيعة الفعل وتعليل اختصاصه بدقة سيجعل قراره عرضةً لاعتراض دستوري وقانوني جدي، من دون أن يعني ذلك مسبقاً ثبوت براءة عون أو انتفاء مسؤوليته السياسية.

فالمشكلة الأساسية لا تتعلق بحق البيطار في دراسة مطالعة النيابة وتقدير الأدلة فحسب، بل بمدى اختصاصه دستورياً باتهام رئيس سابق عن فعل قد يكون مصدره الصلاحيات الرئاسية.

ويضيف بشرّاوي أن تخلّف ميشال عون عن الحضور، بعد استدعائه أصولاً بصفة مدعى عليه ومن دون عذر مشروع، قد يتيح للمحقق العدلي الانتقال من مذكرة الدعوة إلى مذكرة إحضار.

كما يمكنه إصدار مذكرة توقيف إذا توافرت شروطها وبررتها الأدلة وخطورة الجرم؛ فالتوقيف ليس نتيجة آلية لمجرد عدم الحضور.

غير أن الأمر يقتضي التمييز بين ثلاث مسائل: أولاً، إصدار المذكرة بوصفها قراراً قضائياً يستند إلى الأدلة وشروط التوقيف، لا عقوبة آلية.

ثانياً، مشروعية الاختصاص؛ فإذا كان الفعل جريمة عادية منفصلة عن الوظيفة، أمكن إصدار المذكرة من حيث المبدأ، ولا يتمتع عون بحصانة شخصية لمجرد كونه رئيساً سابقاً.

أما إذا كان الفعل متصلاً بمهامه الرئاسية، فيمكن لفريقه القانوني الدفع بأن المادة 60 تجعل الاتهام والمحاكمة من اختصاص مجلس النواب والمجلس الأعلى، وبالتالي الطعن في شرعية الاستدعاء والمذكرة.

أما المسألة الثالثة فتتعلق بالتنفيذ، الذي يتأثر بالعاملين السياسي والأمني، إذ قد يؤدي السعي إلى توقيف رئيس سابق يتمتع بقاعدة حزبية إلى مواجهة مؤسساتية.

لذلك، لا يمكن الجزم بأن المذكرة ستُنفذ حتى لو صدرت. ويبقى الاختبار الحقيقي في قدرة الدولة على تنفيذ القرار القضائي وفق معيار واحد على الجميع؛ إذ إن اكتفاء القضاء بتسجيل الامتناع بسبب المكانة السياسية سيُفهم على أنه تكريس للإفلات من المساءلة، فيما قد يؤدي إصدار مذكرة قبل حسم النزاع الدستوري الجدي إلى تحويل الملف إلى صراع بين القضاء والمؤسسات السياسية.

وبسؤاله عن سبب تركيز شكوى ميشال عون على تسريب الأوراق بدلاً من الرد المباشر على شبهة الإهمال، وكيفية تعامل القضاء مع شكوى ضد مجهول في قضية بهذا الحجم، يوضح بشرّاوي أن الهدف القانوني يتمثل في الاعتراض على خرق سرية التحقيق، وكشف الجهة التي سرّبت المستندات قبل صدور القرار الاتهامي، والحد من الضغط الإعلامي والإدانة المسبقة، ولا سيما مع تداول معلومات عن طلب النيابة العامة اتهامه.

غير أن نقل النقاش من مضمون الاتهام إلى طريقة تسريبه قد يسمح للرئيس السابق بالظهور في موقع المتضرر والطعن في سلامة الإجراءات، بدلاً من الإجابة فوراً عن الأسئلة المتعلقة بما عرفه، وما فعله، وما إذا كانت التدابير التي اتخذها متناسبة مع حجم الخطر.

ومع مشروعية الشكوى لحماية سرية التحقيق وقرينة البراءة، فإنها تظل ملفاً مستقلاً، لا تسقط طلب الاتهام أو الأدلة التي قد يقوم عليها، ولا تشكل رداً موضوعياً على شبهة التقصير.

أما الشكوى ضد مجهول، فهي صيغة قانونية طبيعية عندما تكون الواقعة معروفة والفاعل غير محدد، وتتيح للنيابة العامة البحث عن هوية المسرّب وكل من يظهره التحقيق.

وإذا كان نطاق الجهات التي امتلكت المستند المسرّب قابلاً للتحديد، وجب التحقق من مصدر التسريب بالأدلة، من دون افتراض مسبق أنه صادر عن النيابة العامة أو عن أي جهة بعينها.

ويخلص بشرّاوي إلى وجوب تعامل القضاء بجدية مع ملف التسريب، من دون السماح بتحويله إلى ستار يحجب السؤال الأساسي المتعلق بالمسؤولية الجنائية عن الانفجار، وفي الوقت نفسه من دون إهدار سرية التحقيق وقرينة البراءة وحقوق الدفاع.