
دورية للجيش اللبناني وقوات اليونيفيل عند الحدود الللبنانية الجنوبية - أرشيفية (أ ف ب)
مرّت عشرون عاماً على صدور القرار 1701 عن مجلس الأمن الدولي في 11 آب 2006، وبدء انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، ونشر قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل». وصدر القرار لإنهاء الحرب بين حزب الله وإسرائيل، التي استمرت آنذاك 34 يوماً، وحظي بموافقة الأطراف المعنية، ليشكّل الأساس القانوني والسياسي للتهدئة والاستقرار في الجنوب.
ووافقت الحكومة اللبنانية على القرار في 12 آب 2006، فيما دخل وقف الأعمال العدائية حيز التنفيذ في 14 آب من العام نفسه. إلا أن وقف النار لم يتحول إلى تسوية نهائية، في ظل عدم تنفيذ بندين أساسيين بصورة كاملة، هما نزع السلاح ووقف الخروقات الإسرائيلية وانسحاب إسرائيل من ما تبقى من الأراضي اللبنانية المحتلة حتى الحدود المعترف بها دولياً.
وخلال الأعوام العشرين الماضية، شهد الجنوب ولبنان تطورات كبيرة، إذ خاضت إسرائيل حربين ضد حزب الله، الأولى عام 2006 والثانية عام 2024 على خلفية إسناد الحزب لغزة، إضافة إلى الحرب التي شهدها العام الجاري 2026 على خلفية إسناده إيران، وسط تهديدات بتجدد المواجهة في حال عاد الحزب إلى إسناد طهران في أي حرب مقبلة.
وأنتجت هذه التطورات تفاهمين أساسيين: الأول تفاهم 27 تشرين الثاني 2024، والثاني «الاتفاق الإطاري» الذي تم التوصل إليه في منتصف حزيران الماضي. وقد ركّز كلاهما على وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل من المناطق المحتلة، ومعالجة ملف سلاح حزب الله، وإن اختلفت آليات التنفيذ والتفاصيل بينهما.
وفي تقييم أجرته أوساط دبلوماسية لما آل إليه القرار 1701، وما طرأ على مسار تسوية الوضع مع إسرائيل في ضوء التفاهمات الجديدة، تقول هذه الأوساط إن تفاهم عام 2024 قدّم حلاً أكثر تفصيلاً من القرار 1701، الذي افتقر، بحسب تقديرها، إلى آلية تنفيذية واضحة تحدد الأولويات والخطوات العملية.
وجاء «الاتفاق الإطاري» ليذهب أبعد في تحديد الآليات الواجب اتباعها لإرساء الاستقرار والسلام على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية، وصولاً إلى حالة من عدم العداء، وربما إلى اتفاق أمني بين الطرفين.
وترى الأوساط الدبلوماسية أن ما حصل يمثل تطوراً في طبيعة الطروحات، في ظل تشدد أميركي ـ إسرائيلي ودولي متزايد في مسألة نزع السلاح، ودخول أطراف دولية بصورة أكبر في تفاصيل التنفيذ، إلى حد العمل على إنشاء «مناطق نموذجية» تنسحب منها إسرائيل، وينتشر فيها الجيش اللبناني، بالتوازي مع التحقق من عدم وجود سلاح غير شرعي عبر مراقبة أميركية وفريق دولي يضم بريطانيا وبولندا وإيطاليا وإندونيسيا.
كذلك، يُبحث احتمال أن تحل هذه القوات محل «اليونيفيل»، في ضوء عدم موافقة الولايات المتحدة وإسرائيل على تمديد ولايتها مرة جديدة. وبذلك، تكون آلية المراقبة قد انتقلت من «اليونيفيل» إلى قوات أخرى أكثر تخصصاً وتقدماً في طبيعة المهام المنوطة بها، وهو ما يجري بحثه حالياً.
ويعني ذلك، بحسب الأوساط نفسها، أن هناك تغييرات جوهرية وتفصيلية بين مرجعية القرار 1701 والترتيبات التي يطرحها «الاتفاق الإطاري»، سواء على مستوى آليات التنفيذ أو الجهات المكلفة بالمراقبة أو طبيعة الأهداف النهائية.
ويبرز كذلك تحول في الدور الفرنسي. ففي عام 2006، كانت فرنسا والولايات المتحدة تعملان جنباً إلى جنب في التوصل إلى القرار 1701، فيما عُرفت فرنسا منذ ذلك الحين بأنها «حاملة القلم» في قضايا لبنان داخل مجلس الأمن.
أما اليوم، فتراجع الدور الفرنسي في إدارة الملف، في مقابل تولي واشنطن دوراً أكثر مباشرة في رعاية الوضع اللبناني، بما يشمل الملفات السياسية والأمنية المرتبطة بالجنوب والحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية.
وفضلاً عن ذلك، فإن القرار 1701 لم يطلب إزالة حالة العداء بين لبنان وإسرائيل أو التوصل إلى اتفاق أمني بين الطرفين، بل دعا إلى إرساء وقف دائم للأعمال العدائية وضمان الاستقرار على الحدود المعترف بها دولياً.
أما في المسار الحالي، فيجري التركيز على تفاصيل تتجاوز هذا الهدف، باتجاه ترتيبات أمنية أكثر شمولاً، قد تقود في نهاية المطاف إلى اتفاق أمني بين لبنان وإسرائيل.
وبذلك، انتقلت مرجعية الجنوب تدريجياً من قرار دولي يحدد المبادئ والأهداف العامة، إلى تفاهمات أكثر تفصيلاً وتشداً، تحدد آليات التنفيذ والمراقبة والانتشار، وتضع ملف السلاح في صلب الترتيبات الجديدة، بما يعكس تحولاً كبيراً في طبيعة إدارة الحدود ومستقبل الوضع الأمني بين لبنان وإسرائيل.