
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (رويترز)
يبدو أن إيران والعالم لم يدركا جيداً حتى الآن أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيقوم فعلياً بترجمة مبدأ “السلام من خلال القوة”. هذا المسار بدأه مع الأيام الأولى لتسلمه مهامه في البيت الأبيض، حيث حقق رقماً قياسياً بالأوامر التنفيذية، بدأها في بيته الداخلي، محققاً تغييرات جذرية على رأس الهرمية في الإدارة. أما الخطوة الأبرز، والتي حملت الكثير من التكهنات، فهي تغييره اسم “وزارة الدفاع” إلى “وزارة الحرب”، مما دفع البعض إلى التساؤل حول كيفية اجتماع السلام والقوة.
إن التغييرات التي أجراها الرئيس ترامب مع بداية ولايته يمكن فهمها بعمق من خلال الوثيقة الرسمية التي نشرها البيت الأبيض البارحة، والتي يمكن تصنيفها كسابقة تاريخية لم يشهدها العالم على مدى عقود. هذه الوثيقة، التي حملت عنوان “استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026″، يعيد من خلالها الرئيس ترامب رسم أولويات الأمن القومي الأميركي وتحديد آليات التعامل مع التهديدات العابرة للحدود، وهي تقودنا إلى أننا أمام حقبة جديدة سيرسيها ترامب وستغير وجه المنطقة بإعادة رسمها من جديد بريشته، وبذلك سنكون أمام لوحة مختلفة لناحية النفوذ، وسحق القوى التي نشرت “السوداوية” والدموية في منطقة الشرق الأوسط.
إنجازات 43 يوماً
يستهل ترامب وثيقته بالإشارة إلى حقبة الرئيس السابق جو بايدن بوصفها مرحلة “ضعف وفشل واستسلام وإهانة”، معلناً نهاية تلك الحقبة ووضع “أميركا أولاً” كالتزام للدفاع عن البلاد ضد جميع الأعداء الأجانب والمحليين. لينتقل إلى إنجازاته التي حققها في غضون ثلاثة وأربعين يوماً فقط، حين أشار إلى إلقاء القبض على العقل المدبر للهجوم على “بوابة أبي” في أفغانستان، متبعاً ذلك باستعادة مئة وستة رهائن أميركيين من الأسر في الخارج دون دفع دولار واحد لخاطفيهم. ولم تتوقف الإنجازات عند هذا الحد، بل برزت نقطة تحول كبرى بتصنيفه فروعاً رئيسية من “جماعة الإخوان المسلمين” كمنظمات إرهابية، وتطهير الداخل الأميركي من المجرمين الأجانب والمتعاطفين مع الفكر المتطرف.
إرهاب طهران العالمي
أما على الصعيد الإقليمي، والذي يتقدم على ما عداه من اهتمامات للرئيس ترامب، فهو الملف الفلسطيني، بتأكيده إنهاءه لحرب غزة وضمان إطلاق سراح الرهائن المتبقين، وإنجازه ما أطلق عليه اسم “مجلس السلام” لضمان أمن وازدهار المنطقة. أما طهران، فقد تصدرت مضمون الوثيقة كمسؤولة عن الإرهاب العالمي، حيث أكد ترامب أنه وجه ضربات قاصمة عبر عمليتي “مطرقة منتصف الليل” و”الغضب الملحمي” لضمان عدم حصول النظام الإيراني على سلاح نووي، بالتزامن مع تفكيك التهديدات الموجهة لبلاده وتدمير عصابات السموم والاتجار بالبشر.
وفي أميركا اللاتينية، شكّل توقيف نيكولاس مادورو، الذي وصفه بـ”الدكتاتور الخارج عن القانون وتاجر السموم”، قمة إنجازات مهارة الجيش الأميركي وجلبه لمواجهة العدالة، تأكيداً على شعار: “إذا آذيتم الأميركيين أو كنتم تخططون لإيذائهم، سوف نجدكم وسوف نقتلكم”.
تطهير الداخل الأميركي
شدد ترامب في الوثيقة على أن “أميركا والأميركيين أولاً دائماً” هدف أسمى للأمن القومي، لافتاً إلى خطورة ظهور “نوع جديد من الإرهاب المحلي” يقوده متطرفون يتبنون أيديولوجيات تتنافى مع الحرية الأميركية. وينتقد ترامب بشدة النهج السابق الذي استغل فيه أفراد سلطاتهم لاستهداف الخصوم سياسياً، مؤكداً أن الثقة لن تعود إلا بتنفيذ مكافحة الإرهاب دون تلوث بالسياسة.
وتشدد الوثيقة على أن أميركا أصبحت أقوى دولة في العالم، محصنة ضد الهجرة غير المنضبطة، ومواجهة ثلاثة أنواع من الجماعات الإرهابية: تجار السموم، والإرهابيون التقليديون، والمتطرفون اليساريون العنيفون، بما في ذلك “أنتيفا”، معتبراً أن سياسة “بلا حدود” السابقة تهديد وجودي تسبب في وفيات تفوق خسائر الحروب.
آليات التنفيذ وعقيدة “مونرو”
تعتمد استراتيجية ترامب على تقويض خطوط الدعم السري للخصوم عبر العقوبات، واعتراض “أسطول الظل” النفطي والعمليات السيبرانية الهجومية. وتضع الأولوية لشل عمليات العصابات في نصف الكرة الأرضية، وتدمير أفضل خمس جماعات إرهابية مثل “القاعدة” و”داعش خراسان”. كما تعالج الوثيقة تحالفات هجينة متطورة واستخدام تقنيات الطائرات المسيّرة المدعومة من إيران والصين وروسيا، معتبرة أن حصول الإرهابيين على أسلحة دمار شامل هو “الخطر الأكبر الوحيد”.
وفي تحول استراتيجي، تتجه الإدارة نحو “إعادة توزيع العبء العالمي” بالاعتماد المتزايد على الشركاء الدوليين. وبموجب “عقيدة مونرو”، تمت إعادة فرض التفوق الأميركي في نصف الكرة الغربي، وخفض تهريب السموم بنسبة 90% عبر ضربات وزارة الحرب.
سحق إيران ووكلائها
بالطبع، للشرق الأوسط حصة كبيرة، فهو اعتبر أن لبلاده دائماً مصالح أساسية في ضمان عدم وقوع إمدادات الطاقة في الخليج في أيدي عدو صريح، وبقاء مضيق هرمز مفتوحاً والبحر الأحمر صالحاً للملاحة، وأن تظل “إسرائيل آمنة”.
وكان لافتاً إشارة ترامب إلى اليوم الثامن من ولايته، عندما أعطى توجيهاته بالعودة إلى قواعد الاشتباك، مفوضاً سلطات واسعة للقادة الميدانيين. وشدد على أن الخطر الأكبر يأتي من إيران مباشرة، في شكل قدراتها النووية والصاروخية، وغير مباشر لوكلائها، بما في ذلك حزب الله، لافتاً إلى أن العمليات العسكرية ستستمر حتى لا يعود النظام في طهران يمثل تهديداً. أما على صعيد اليمن، فأكد استعداده لاتخاذ إجراء عسكري حاسم إذا تعرضت السفن الأميركية للخطر من قبل الحوثيين.
إن استراتيجية ترامب، التي وقعها البارحة، تظهر أن شعار “السلام من خلال القوة” ليس مجرد عبارة، بل سيكون التحول الذي ستقوم به إدارته لإعادة رسم ملامح الردع داخلياً وخارجياً، لا سيما منطقة الشرق الأوسط التي بات واضحاً أنها من أولويات استراتيجيته، الأمر الذي سيقودنا إلى استنتاج واضح بأننا أمام مرحلة جديدة قد تغير وجه المنطقة والعالم لعقود قادمة.