استمع لاذاعتنا

المطبخ الشتوي والأمسيات الدافئة في القرى الجبلية اللبنانية

كما كل عام ومع وصول الزائر الأبيض، تعود القرى الجبلية في شمال لبنان إلى أصالتها وسابق عهدها، لتبعث الحياة في طقوس المطبخ التقليدي الذي تتوارثه الأجيال. مطبخ لا يعرف أحد مع من بدأ، لكنه حكماً باق ما تمسك أبناء الجبل به.

 

وتعيش القرى الشمالية الجبلية دورة حياة روتينية من عام إلى عام، تبدأ مع كل صلاة فجر ولا تنتهي في خاتمة الليل. فخلال أشهر الصيف، ينهض الرجال والنساء للتحضير لفصل الشتاء البارد، اتقاءً للياليه الموحشة.

الطبخ على الحطب…

ما إن تبدأ حبيبات البرد بملامسة وجه الأرض، حتى تعود الأمجاد إلى “صوبيا الحطب”، التي تشكل ركناً من أركان المطبخ الشتوي. فالصوبيا ليست مجرد وسيلة للتدفئة، وإنما أيضاً أداة طبخ، يلازمها “الدست” (أي قدر كبير).

تتفنن النسوة وكبار السن في الصباح بإعداد الكشك و”الغمرون”. قبل أن ينتقلن لطبخ “العصيدة”، وهي عبارة عن قمح مسلوق، تُضاف إليه قطع اللحم والدهن. ويُطلق عليها اسم “القمحية” في بعض قرى الضنية. ويستخدم في طبخه الحطب، نظراً لوفرته في القرى المرتفعة والمناطق النائية.

 

وتزدهر في أيام الشتاء “الطبخات الكبيرة” من قبيل ورق العنب والمحاشي ويخنة فاصوليا “عايشة خانم”. فالبرد يحول دون إمكانية إعداد طبخة كل يوم، ولا بأس في تسخين ما تبقى من اليوم الفائت، فالعائلة الجردية، عائلة تدمج قيم الكرم مع الاقتصاد في الموارد. إذ دفعت الظروف إلى تعديل بعض الأطباق الغالية الكلفة، لتكييفها مع الواقع كإعداد بعض أنواع الكبة مثل كبة البطاطا، و”أبو آمنة” وهي خليط من الطحين والماء والبرغل والتوابل، واستبدال اللحم بالحمص والسماق.

العجين والبقوليات

ولا يقتصر المطبخ الشتوي على الشحوم والدسم، وإنما للحبوب والبقوليات حصة كبيرة، التي تمنح الطاقة للجسم، وتحديداً شوربة العدس التي يُضاف إليها الفلفل الحار والتوابل. وتعتبر “المخلوطة” سيدة المائدة بشقيها الحلو والمالح، وهي مجموعة من الحبوب كالفاصوليا والعدس والحمص ودبس الرمان والبصل والثوم والكثير من زيت الزيتون.

كما يحضر العجين بقوة على السفرة الشتوية، فشطارة النساء تظهر في تماسك العجين، لأن لا غنى عنه في إعداد “الرشتا” التي يمتزج فيها هريس العدس مع قطع العجين. وبحسب إحدى السيدات العجائز، لا بديل عن العدس في الشتاء لأنه “مسامير الركب”. كما تتفاخر نسوة القرية في تحضير أفضل “كبة راهب بالدبس” والمعكرون بالثوم والليمون.

 

ولا يتأخر أهل القرى في تحدي برودة الطقس، فمع بدء هطول الثلج، تقوم النسوة بإشعال “مناقل الفحم” لحفلة شواء قد تعتبر الأخيرة قبل أن يحبسهم البرد لأيام داخل البيوت. ويشوين “أقراص الكبة بشحمة”، ويحضرن الشوربات الساخنة، ويغلين القهوة على نار الحطب.

كرابيج الشتاء

وللتمتع بليلة دافئة، يشعل أبناء الجبال “الكرابيج” وهي قطع الحطب الضخمة، القادرة على الصمود في الموقد لفترة طويلة، وتأمين حرارة مرتفعة. ويوضح أبناء القرى أنهم يبحثون عن أحمال حطب الليمون والسنديان خلال فصل الصيف، ومن ثم يقومون بتصنيفها وتقطيعها.

وتعد عملية تقطيع جذوع الأشجار خطوة أساسية عشية الشتاء. كما تعتبر مؤشراً لقوة الرجال وقدرتهم الجسدية. ويتباهى أبناء قرى شمال لبنان بقدرتهم على التقطيع، فها هو جلال يتذكر كيف أن والده دفعه منذ الصغر إلى الحقل، وعلمه “التشقيف” لأنه يحتاج إلى “سواعد رجال أقوياء”، يؤمنون الدفء لعائلاتهم خلال موسم الشتاء والصقيع.

ولا تتوقف عملية التحضير على الرجال فقط، فالنساء أيضاً تلعبن الدور الجوهري في إعداد المونة. ففي كل بيت جبلي، غرفة تُعتبر بمثابة “خزنة الكنز” التي تختار النسوة من بينها لتقديم الأطباق لأبنائهن.

وتؤكد النسوة أن “شوال الطحين” (كيس الطحين) أساسي في المونة، لأن النفس تشتهي في الشتوية الحلوى والمعجنات، والاحتياط واجب استعداداً لأي عاصفة ثلجية تقطع الطرق وتعزل المنازل والقرى عن بعضها البعض. وفي داخل الغرفة، يمكننا أن نجد ما لذّ وطاب، من مربى الفواكه على أنواعه والعسل والزيت والدبس وزجاجات لبن الماعز وكرات اللبنة والجبنة، ومكثفات التوت الشامي والبندورة، الحبوب الجافة على أنواعها، وأصناف الكبيس والمخللات، والزيتون والزعتر البلدي.

وتروي ولاء كيفية إعداد البرغل البيتي المجروش. فما إن يهل موسم الحصاد، حتى تبدأ النسوة بتجميع القمح من أرض العائلة. ومن ثم يقمن بسلقه، ومده على السطوح، وتركه تحت الشمس لأيام عدة لتجفيفه. وبعد ذلك يُطحن بين خشن وناعم، ويُستخدم جزء منه لإعداد الكشك، وجزء آخر يُخزن لطبخ مجدرة البرغل باللوبياء.

سهرة ورق اللعب

لا يملك أهالي القرى الجبلية الكثير من المجال لممارسة هواياتهم. وحدها قيادة سيارات الدفع الرباعي على الثلج والصيد البري، تختصران قائمة شغف أكثريتهم. وفي كل مرة ينزل الثلج، يندهش أطفال القرى به، ويخرجون لبناء رجل الثلج.

وفي المساء، تعيش الغرفة العربية حياة الصخب، إذ يتحلق الأقارب حول طاولة “الشدة”، للعب الورق. ويستمتعون بشرب الشاي بالجوز البلدي، أو يرتشفون الزهورات المشكّلة من نباتات الحرج، والسحلب الساخن، ويأكلون حبوب الكستناء والبطاطا المشوية.

وفي كل ليلة، يعيش أبناء هذه القرى ليلة مختلفة من لياليهم المئة، بانتظار عودة دفء الشمس، لتدب الحياة من جديد في عروق الأرض والزرع، ويستعيدون جلسات التنور.