الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

اليقظة الذهنية.. بين الانتشار العالمي والخلاف العلمي حول التعريف والفوائد

خلال العقدين الماضيين، شهدت تمارين «اليقظة الذهنية» (Mindfulness) انتشارًا واسعًا، حتى أصبحت جزءًا من برامج العمل والتعليم والرعاية الصحية، ووصلت إلى تطبيقات الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي. غالبًا ما تُقدَّم هذه الممارسة كمهارة بسيطة تقوم على التركيز في اللحظة الراهنة، مع وعود بتخفيف التوتر وتحسين النوم والصحة النفسية.
لكن هذا الانتشار السريع يخفي مشكلة جوهرية، بحسب أستاذ الفلسفة رونالد غرين، الذي يرى أن العلماء والمتخصصين لا يزالون مختلفين حول تعريف «اليقظة الذهنية» نفسها وكيفية قياسها علميًا. هذا الخلاف يجعل نتائج الأبحاث متباينة وأحيانًا مربكة لمن يسعون للاستفادة من الممارسة، بحسب مقال نشرته مجلة The Conversation.
تعود جذور اليقظة الذهنية إلى تقاليد روحية آسيوية عريقة مثل البوذية والهندوسية والجاينية والسيخية. ففي البوذية، تركز تعاليم “ساتيباتانا سوترا” على مراقبة الجسد والعقل لحظة بلحظة، بينما تقوم ممارسة “الديانا” الهندوسية على التركيز العميق في التنفس، وتهدف “سمايكا” في الجاينية إلى تنمية الاتزان الداخلي، في حين يشجع “سيمران” في السيخية على استحضار الوعي الروحي المستمر.
مع نهاية القرن العشرين، جرى تكييف هذه الممارسات ضمن أطر علمية وعلاجية حديثة، أبرزها برامج خفض التوتر القائم على اليقظة الذهنية. ومنذ ذلك الحين، انتقل المفهوم إلى مجالات علم النفس والطب والتعليم، وأصبح أداة متعددة الاستخدامات، لكن بتعريفات مختلفة.
يكمن جوهر المشكلة في اختلاف تصور العلماء لليقظة الذهنية. فبعضهم يركز على الانتباه والتركيز في الحاضر، بينما يراها آخرون وسيلة لإدارة المشاعر والضغوط، أو لتعزيز التعاطف مع الذات، أو حتى لتنمية الوعي الأخلاقي واتخاذ قرارات أكثر حكمة.
ويتجلى هذا التباين في أدوات القياس المختلفة؛ فمقياس «الانتباه والوعي الذهني» (MAAS) يركز على الحضور الذهني، بينما يهتم «مقياس فرايبورغ» بقدرة الفرد على ملاحظة أفكاره ومشاعره دون إصدار أحكام. أما مقياس «التجارب الشاملة لليقظة» فيضيف بعدًا أخلاقيًا يغفله كثيرون. وغياب تعريف موحد يجعل نتائج الدراسات صعبة المقارنة، وقد تقدم البرامج التدريبية فوائد مختلفة عما يتوقعه المشاركون.
ومع ذلك، تشير الأبحاث إلى أن أشكال اليقظة المختلفة تحقق فوائد متنوعة؛ فممارسات التركيز تحسن الأداء والانتباه، بينما تساعد أساليب القبول على إدارة القلق والألم المزمن، في حين تعزز البرامج القائمة على التعاطف المرونة النفسية.
ويخلص الباحثون إلى أن «اليقظة الذهنية» ليست مفهومًا واحدًا جامدًا، بل هي عائلة من الممارسات، وعلى الأفراد والمؤسسات اختيار ما يتناسب مع أهدافهم واحتياجاتهم بدل الاكتفاء بالصورة المبسطة الشائعة عنها.

    المصدر :
  • العربية