السبت 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 6 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

زراعة الأعضاء والخلود.. بين حلم بوتين وشي وحدود العلم

عندما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لنظيره الصيني شي جينبينغ خلال لقائهما في بكين في سبتمبر 2025 إن “تكرار عمليات زراعة الأعضاء قد يجعل الإنسان أكثر شباباً وربما يعيش حتى 150 عاماً”، ظن كثيرون أن كلامه أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى الطب الحديث.
لكن خلف هذا التصريح المثير تقف تطورات حقيقية في أبحاث الطب الحيوي.

بين الطموح والواقع العلمي

قبل اللقاء بأيام، أعلن علماء في معهد أوروبي عن اكتشاف جزيء يمكن أن يقلل من فشل زراعة الكبد، وهو تطور قد يُطيل عمر الأعضاء المزروعة. غير أن هذا لا يعني أن الشيخوخة قابلة للإلغاء أو أن الإنسان يمكنه استبدال جسده قطعةً تلو الأخرى.
ويقول الباحث البريطاني دان ستراتون من جامعة “ذا أوبن”: “زراعة الأعضاء تنقذ الأرواح، لكنها لا تُعيد الشباب. يمكن للعلم أن يُطيل الحياة، لكنه لا يستطيع إعادتها إلى بدايتها”.

تجارب قديمة بثوب جديد

محاولات استعادة الشباب ليست فكرة حديثة. ففي مطلع القرن العشرين، أجرى أطباء أوروبيون تجارب مثيرة للجدل بزرع أجزاء من خصى القرود في أجساد بشرية أملاً في استعادة الحيوية، فيما اعتُبر لاحقاً ضرباً من “الجنون العلمي”.
واليوم عادت الفكرة بروح مختلفة، يقودها رواد التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الذين يحاولون إبطاء الشيخوخة بوسائل غير تقليدية، مثل نقل دم الشباب.
ومن أبرزهم رجل الأعمال الأميركي برايان جونسون، الذي أجرى عمليات نقل بلازما من متبرعين صغار السن إلى جسده في محاولة لتجديد خلاياه، مستنداً إلى دراسات أُجريت على الفئران أظهرت نتائج مؤقتة في تحسين وظائف العضلات والدماغ.
لكن التجارب البشرية لم تثبت أي أثر مماثل، فيما حذّرت إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) عام 2019 من خطورة مثل هذه “العلاجات التجارية” ووصفتها بأنها غير مثبتة علمياً وربما مؤذية.

زراعة الأعضاء.. وسيلة إنقاذ لا طريق إلى الخلود

زراعة الأعضاء تُستخدم اليوم لإنقاذ حياة مرضى يعانون من فشل في القلب أو الكبد أو الكلى، لكنها تظل عملية معقدة، إذ يعتبر الجهاز المناعي العضو المزروع جسماً غريباً ويهاجمه، ما يجبر المرضى على تناول أدوية مثبطة للمناعة مدى الحياة.
ومع مرور الوقت، تُضعف هذه الأدوية المناعة وتزيد خطر العدوى والسرطان، فيما تبدأ الأنسجة المزروعة بالتدهور تدريجياً، خصوصاً لدى كبار السن الذين تقل لديهم قدرة الترميم الذاتي.

نقص الأعضاء وأزمات الأخلاق

يواجه العالم اليوم فجوة كبيرة بين أعداد المحتاجين لزراعة الأعضاء وتوافر المتبرعين، ما فتح الباب أمام سوق سوداء تتاجر بأعضاء بشرية تُنتزع غالباً من فقراء أو سجناء.
وقد دفعت هذه الأزمة الباحثين إلى استكشاف حلول بديلة، أبرزها الزراعة بين الأنواع (Xenotransplantation) باستخدام أعضاء من الخنازير، إلا أن هذه التجارب لا تزال تعاني من رفض مناعي حاد. أما الأعضاء المستنسخة أو المزروعة في المختبر فما زالت في مرحلة “النماذج المصغّرة” التي تحاكي الأعضاء لكنها لا تصلح بعد للزراعة في الإنسان.

الدماغ… الحدّ الأخير

حتى لو تمكّن الإنسان من استبدال كل أعضائه، سيبقى الدماغ هو العقبة الكبرى؛ فهو ليس مجرد عضو عضوي، بل مركز الوعي والهوية والذكريات. ولا يمكن استبداله من دون فقدان “الشخص نفسه”.
لهذا يرى العلماء أن حلم الخلود عبر زراعة الأعضاء لا يتجاوز حدود الخيال، ويعبّر في جوهره عن خوف الإنسان من الفناء أكثر من كونه مشروعاً علمياً قابلاً للتحقق.

ويختم الباحث ستراتون بالقول: “الخلود عبر الجراحة والوهم التقني ليس مستقبلاً للطب، بل انعكاس لهوسنا بالهروب من النهاية. فالعلم يستطيع إطالة حياتنا، لكنه لا يستطيع أن يجعلنا خالدين. الشيخوخة ليست خللاً في التصميم، بل جزء من إنسانيتنا.”

    المصدر :
  • العربية