
الدماغ- تعبيرية
قاد تغيّر غير متوقّع في لون ذبابة الفاكهة علماء الأعصاب إلى اكتشاف جينات جديدة تتحكّم بمستويات الدوبامين في الدماغ، وهو ناقل عصبي أساسي يرتبط بالحركة والتعلّم والتحفيز وتنظيم النوم، إضافة إلى عدد من الاضطرابات العصبية والنفسية لدى الإنسان.
الدراسة، التي أجراها باحثون من كلية بايلور للطب ومعهد جان ودان دنكان للأعصاب في تكساس ونُشرت في مجلة iScience، كشفت آلية غير مباشرة لتنظيم مستويات الدوبامين، وهي آلية لا تزال أقل فهمًا مقارنة بوظائف هذا الناقل العصبي داخل الدماغ.
ويتميّز نموذج ذبابة الفاكهة باستخدام الدوبامين ليس فقط في نشاط الدماغ، كما لدى البشر، بل أيضًا في إنتاج الميلانين المسؤول عن لون جسمها الخارجي. هذا الارتباط ألهم الباحثين استخدام تغيّر اللون كمؤشر بصري بسيط للكشف عن اضطرابات محتملة في الدوبامين، من دون الحاجة في البداية إلى قياسات دماغية معقدة.
واستخدم الفريق البحثي تقنية تداخل الحمض النووي الريبي (RNAi) لتعطيل أكثر من 450 جينًا يُعتقد أنها تؤثر في تصبغ الذبابة. وأسفرت التجارب عن تحديد 153 جينًا تسبب تغيّرًا واضحًا في اللون، ليتبيّن أن نحو 85% منها موجودة أيضًا لدى البشر، وأكثر من نصفها مرتبط باضطرابات عصبية مثل التوحّد والصرع والإعاقات الذهنية.
وعند تعطيل هذه الجينات في الخلايا العصبية المنتجة للدوبامين، لاحظ الباحثون تغيّرات في الحركة وأنماط النوم، ما يدل على دور مباشر لها في وظائف الدماغ. وبعد تضييق نطاق الدراسة، جرى التركيز على جينين أساسيين، تبيّن أن تعطيل كل منهما يؤدي إلى انخفاض مستويات الدوبامين، لكن عبر آليتين مختلفتين.
فقد أدى تعطيل الجين الأول إلى تقليل إنتاج إنزيم ضروري لتصنيع الدوبامين، ما تسبب باضطرابات في النوم وفقدان القدرة الطبيعية على الاستيقاظ المبكر، كما فقد الكافيين تأثيره المعتاد. وعند تزويد الذباب بمادة L-DOPA، عادت أنماط النوم إلى وضعها الطبيعي. أما تعطيل الجين الثاني، فأثر في النوم بآلية أكثر تعقيدًا، دون أن تُصلحها إضافة L-DOPA، ما يشير إلى تنظيم غير مباشر لمنظومة الدوبامين.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تفتح آفاقًا جديدة لتطوير استراتيجيات علاجية تهدف إلى استعادة توازن الدوبامين لدى البشر، وهو اختلال يرتبط بأمراض مثل باركنسون والاكتئاب واضطرابات النوم والفصام والإدمان.
وتخلص الدراسة إلى أن فهم كيفية تحكّم الجسم في مستويات الدوبامين، وليس فقط دوره داخل الدماغ، قد يشكّل نقطة تحوّل في علاج العديد من الاضطرابات العصبية والنفسية مستقبلًا.