الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

عندما يسهر الدماغ.. كيف يؤثر الحرمان من النوم على التركيز والانتباه؟

يعاني كثيرون من الشعور المألوف الذي يلي ليلة نوم سيئة: تراجع القدرة على التركيز، شرود ذهني متكرر، وبطء واضح في الاستجابة. إلا أن دراسة علمية حديثة كشفت أن ما يجري داخل الدماغ عند الحرمان من النوم أعقد وأكثر غرابة مما كان يُعتقد سابقًا.
فبحسب بحث أجراه علماء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ونُشر في مجلة Nature Neuroscience، لا يقتصر تأثير قلة النوم على الإحساس بالإرهاق فقط، بل يدخل الدماغ في حالة أشبه بـ«نوم جزئي» رغم بقاء الإنسان مستيقظًا. وفي هذه الحالة، يفضّل الدماغ تنفيذ عمليات الصيانة الداخلية على حساب التركيز والانتباه.
وخلال النوم الطبيعي، يقوم سائل يُعرف بالسائل الدماغي الشوكي بدور أساسي في تنظيف الدماغ، عبر إزالة الفضلات التي تتراكم خلال ساعات اليقظة. وتُعد هذه العملية ضرورية للحفاظ على صحة الدماغ، لكنها عادةً لا تحدث إلا أثناء النوم. غير أن الدراسة الجديدة تشير إلى أنه عند الحرمان من النوم، يحاول الدماغ تعويض هذا النقص. فعندما يضعف التركيز فجأة، تبدأ موجات من السائل الدماغي الشوكي بالخروج من الدماغ ثم العودة إليه، في مشهد يشبه ما يحدث خلال النوم العميق. ونتيجة ذلك، يمر الإنسان بلحظات قصيرة من «الانطفاء الذهني» يفقد فيها انتباهه مؤقتًا.
وتشرح الباحثة لورا لويس، المشرفة على الدراسة، أن ظهور هذه الموجات أثناء اليقظة «له ثمن واضح، يتمثل في فشل الانتباه خلال تلك اللحظات».
وشارك في الدراسة 26 متطوعًا خضعوا لتجربتين: الأولى بعد نوم طبيعي، والثانية بعد حرمان كامل من النوم. وفي صباح اليوم التالي، أُجريت لهم اختبارات لقياس الانتباه، بالتزامن مع مراقبة نشاط الدماغ باستخدام تخطيط كهربائي للدماغ (EEG) والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI).
وأظهرت النتائج أن المشاركين المحرومين من النوم كانوا أبطأ في الاستجابة، وأحيانًا يفشلون في ملاحظة إشارات بسيطة. وفي التوقيت نفسه، رصد الباحثون خروج السائل الدماغي الشوكي من الدماغ، ثم عودته عند استعادة الانتباه.
ولم تقتصر هذه الظاهرة على الدماغ وحده، إذ لاحظ العلماء تغيرات جسدية عامة خلال لحظات الشرود، مثل تباطؤ ضربات القلب، وبطء التنفس، وانقباض حدقة العين. والأهم أن هذه التغيرات كانت تسبق فقدان الانتباه بثوانٍ قليلة، ما يشير إلى وجود نظام موحد يتحكم في الانتباه وفي وظائف جسدية أساسية في آن واحد.
ماذا تعني هذه النتائج؟
تشير الدراسة إلى أن الدماغ، عند حرمانه من النوم، يحاول «تعويض» ما فاته من خلال تفعيل آليات صيانة داخلية، حتى لو جاء ذلك على حساب الأداء الذهني. وهذا يفسر لماذا قد يبدو الشخص مستيقظًا وواعيًا، لكنه في الواقع غير قادر على التركيز أو اتخاذ قرارات دقيقة.
ويحذر الباحثون من أن هذه اللحظات القصيرة من فقدان الانتباه قد تكون بالغة الخطورة في مواقف مثل القيادة أو أداء الأعمال التي تتطلب يقظة وتركيزًا عاليين.
والخلاصة، كما تؤكد دراسة MIT، أن النوم ليس ترفًا أو خيارًا ثانويًا، بل حاجة حيوية لا غنى عنها. فعندما لا يحصل الإنسان على النوم الكافي، قد يقرر دماغه أن يعتني بنفسه أولًا… ويترك صاحبه مؤقتًا بلا تركيز.

    المصدر :
  • العربية