الأحد 28 صفر 1444 ﻫ - 25 سبتمبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

إسرائيل لتجرع سمّ "انتصار الحزب" أو التورط بحرب

منير الربيع - المدن
A A A
طباعة المقال

في تاريخ المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية غير المباشرة، يمكن اعتبار أن اتفاقًا واحدًا جرى تثبيته، وهو اتفاق الهدنة في العام 1949. وقوة تثبيته ربما كانت مستمدة من انخراط مصر، الأردن، وسوريا، في الاتفاق إلى جانب لبنان. وفي أي حرب أو معركة اندلعت بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، كانت مرتكزات وقف إطلاق النار تنطلق من اتفاقية الهدنة.

الاتفاق الآخر الذي لاقى ثباتًا هو ما أنجزته الأمم المتحدة في العام 2000، لدى رسم الخطّ الأزرق الذي لا يزال بلا حلّ جذري ونهائي حتى الآن.

خطوط ومفاوضات وحروب

طوال المفاوضات التي حصلت في الستينات، لم يُثّبت الخطّ الأزرق، وأطاح اجتياح العام 1978 الإسرائيلي كل ما له علاقة بتلك المفاوضات والخطوط التي رُسمت. في العام 1982 حصل الاجتياح الإسرائلي الآخر وصولًا إلى بيروت، وبعدها تكرس الاحتلال في جنوب لبنان. في التسعينيات، ومع انطلاق مؤتمر مدريد للسلام، بدأ التفاوض السوري- الإسرائيلي واللبناني- الإسرائيلي، واستمرت سنوات، اجترح خلالها السوريون معادلة وحدة المسار والمصير. فتخللتها حرب العام 1993، وحرب عناقيد الغضب في العام 1996. في العام 2000 حصل تحرير الشريط الحدودي الجنوبي المحتل. وكانت المفاوضات الإسرائيلية- السورية مستمرة بين إيهود باراك وفاروق الشرع.

شارك الرئيس السوري حافظ الأسد في إحدى الجلسات. وروى إيهود باراك في مقال نشره في الصحافة الإسرائيلية بالذكرى العشرين للانسحاب من لبنان، عن أحد اجتماعاته بحافظ الأسد، والتي كان تقرر فيها توقيع الاتفاق. لكن الجلسة الأخيرة لم تعقد. وحسب رواية باراك أن وضع الأسد الصحي وظروفه السياسية، دفعاه إلى عدم التوقيع. أما الرواية السورية فتقول إن الإسرائيليين تراجعوا عن ما كان اتفق عليه حول بحيرة طبريا.

قصة مزارع شبعا

وفيما فشلت المفاوضات السورية- الإسرائيلية، حصل تحرير الشريط الحدودي اللبناني. فاعتبره مسؤولون سوريون غير بريء، لأنه أحادي ولا يضمن السلام العادل. واتهم السوريون الإسرائيليين بعدم الموافقة على الحل المقترح.

بعد الانسحاب الإسرائيلي في العام 2000، عملت الأمم المتحدة على ترسيم الخطّ الأزرق. وبعد الاتفاق على النقاط الحدودية، اتهم الإسرائيليون والأميركيون اللبنانيين بتزوير إحدى الخرائط لتوسيع الحدود البرية اللبنانية، للمطالبة بمزارع شبعا. لا سيما أن الإسرائيليين والأميركيين يعتبرون أن تلك المنطقة كانت مندرجة ضمن القرار الدولي 242 الخاص بسوريا، وليس القرار 425 الخاص بلبنان. فيما القوات الأممية الموجودة في المزارع هي قوات الإندوف الموجودة في الجولان السوري.

ظل إنجاز الترسيم البّري معلقًا، مع اعتراف الطرفين بالخطّ الأزرق. ورفع حزب الله لواء تحرير مزارع شبعا. ولا تزال تلك المفاوضات معلقة منذ ذلك الحين. كانت هناك محاولة إسرائيلية لترسيم الحدود البرية بالتزامن مع بناء إسرائيل لجدار حدودي عازل. وربط لبنان رسميًا الترسيم البري بالترسيم البحري، فتفعلت مفاوضات ترسيم الحدود البحرية.

مفاوضات الحدود البحرية

كان لبنان قد ثبت حدوده البحرية في الأمم المتحدة وفق المرسوم 6433، الذي ينص على مساحة 860 كلم مربع للبنان. وجرت مفاوضات طويلة وشاقة، بوساطة أميركية. وعمل لبنان على تثبيت 13 نقطة برية لتبقى 4 نقاط عالقة. لدى الذهاب إلى مفاوضات الناقورة، رفع لبنان سقف شروطه مطالبًا بمساحة 2290 كلم مربع، بدلًا من 860 كلم. وبالتالي جاءت المطالبة باعتماد الخطّ 29 بدلًا من الخطّ 23.
تستند بعض الدراسات في ذلك إلى ترسيم الحدود أيام الانتدابين البريطاني لفلسطين، والفرنسي للبنان. ويستند آخرون على ما مُنح للبنان في اتفاقية 17 أيار التي لم تتأخر الإطاحة بها سنة 1984.
توقفت المفاوضات عند هذا الحدّ. أصر الإسرائيليون على استمرار العمل في حقل كاريش، الذي يقع في منطقة متنازع عليها وفق المنظور اللبناني. ضغط الأميركيون على لبنان للتنازل عن الخطّ 29، وأعاد الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين تفعيل المفاوضات المكوكية، على أساس الخطّ 23 إضافة إلى حقل قانا.

جاءت زيارة هوكشتاين الأخيرة وانطوت على الكثير من التفاؤل في لبنان. وما عزز هذا التفاؤل هو تغيير هوكشتاين مسار رحلته: كان يفترض أن يذهب إلى أوروبا، لكنه انتقل سريعًا إلى تل أبيب من معبر الناقورة برًا، حيث عملت مروحية على نقله إلى تل أبيب للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي والمفاوضين الإسرائيليين.

الفشل والنجاح واردان

فيما يغلب التفاؤل لبنانيًا، لا بد من انتظار الجواب الإسرائيلي الذي يحمله هوكشتاين. كان الموقف اللبناني موحدًا: في حال طالت المفاوضات بلا اتفاق، لا أحد يضمن الأمن والاستقرار في البحر الأبيض المتوسط. هذه المعادلة تحرج الأميركيين والإسرائيليين معًا. لأن أي تنازل أو اتفاق وفق الشروط اللبنانية يعني منح حزب الله انتصارًا مدويًا.

هنا أصبحت الكرة في الملعب الإسرائيلي. فلدى إسرائيل حاجة ماسة لاستخراج الغاز وتصديره. وهي تعاني من أزمة سياسية عميقة، ولا يمكنها التفريط بأي تنازل يمنح حزب الله انتصارًا. ينتظر لبنان مهلة الأسبوعين التي أعطاها هوكشتاين لمعرفة الجواب الإسرائيلي.
إسرائيل الآن أمام احتمالين: إما تكرار ما يشبه انسحابها من جنوب لبنان في العام 2000. وإما فشل المفاوضات في ربع الساعة الأخير، كما حصل مع سوريا. الاحتمالين واردان.

ديمومة سلاح حزب الله

لكن حتى لو حصل الاتفاق وتنازلت إسرائيل، فهذا لا يعني الذهاب إلى الحل أو طي صفحة هذا الملف. فآفاق الصراع مستمرة وقائمة، كما حصل بعد العام 2000 وترسيم الحدود البرية، والإصرار على تحرير مزارع شبعا. وفيما كانت معادلات التحرير قائمة آنذاك، ثمة معادلات أخرى الآن ترتبط بحفظ الثروة والسيادة البرية والبحرية والجوية، وتوفير مقومات الحماية والدفاع عن التنقيب في لبنان وعن الاستخراج في المرحلة اللاحقة.

هنا لا بد من العودة إلى المعادلة التي وضعها حسن نصرالله: ما بعد ما بعد كاريش. وهي ذات بعد استراتيجي لا يمكن لها أن تركن إلى معادلة الخطّ 23 مع حقل قانا. ويكون فيها حزب الله خلف الدولة اللبنانية. ولكن كلام نصرالله عن أن حزبه لا يعترف بحدود ولا بخطوط، إضافة إلى رفعه معادلة ما بعد كاريش، يعنيان أن المسألة لن تُحل بمجرد ترسيم الحدود وفق الخطّ 23، لأن حزب الله يكون حينذاك أمام مهمة الدفاع عن المزيد من الثروات اللبنانية جنوب الخطّ 23 وصولًا الى الخطّ 29.

بإنجاز الترسيم، يخرج حزب الله أقوى، فيعلن أنه لا يمكن اعتبار أن الصراع مع إسرائيل انتهى، فيما ترسيم الحدود البرية لم ينجز، والاستباحة الإسرائيلية للأجواء اللبنانية قائمة. وخروج الحزب عينه أقوى، يعني وضعه المزيد من الشروط، والتمسك أكثر بسلاحه ضمن معادلات الردع، وقطع الطريق على أي محاولة لوضعه في خانة انعدام الحاجة إلى سلاحه.

لذا، الإسرائيليون أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تجرّع كأس سم التنازل، وإما فشل المفاوضات، وبالتالي الذهاب إلى مواجهة على طريقة الضربات المتقابلة، أو معارك متفرقة تنذر بخطر انفجار الحرب.