استمع لاذاعتنا

الثورة ستصطدم عاجلاً أم آجلاً بحزب الله

بدايةً، يتوجب عليّ الاعتراف بأنني كنت فقدت الأمل في قيام أي حركة احتجاج واسعة، لأن حالة الاستقطاب الطائفي التي ارستها الطبقة السياسية، كانت تتيح لها السيطرة على أي امكانية للاحتجاج أو حتى منعها قبل حصولها، من خلال اللعب على الوتر الطائفي وتحريك الطوائف ضد بعضها البعض، الأمر الذي أتاح لها في ما مضى تدمير العمل النقابي واستخدام النقابات في صراعاتها على السلطة، إضافة إلى تدمير الحياة الحزبية الحقيقية، وتحويل الأحزاب الموجودة إلى أدوات لنفوذها.
المفاجأة جاءت من الجيل الشاب، الذي تبيّن أنه لم يتلوث بالطائفية بالقدر الذي تتمناه أحزاب السلطة. هذا الجيل، كامل الحماسة، جيد التعليم، كان يرى كيف أن السلطة التي من المفترض أن تدير الشأن العام لمصلحة المواطنين وأن تخلق فرص العمل للشباب، غارقة في صراعاتها الهادفة إلى اقتسام مغانم الحكم والإثراء غير المشروع، بوقاحة قل نظيرها، وأن المصير الذي ينتظر هؤلاء الشباب هو الهجرة لمن استطاع إليها سبيلاً، أو القبول بشروط عمل رديئة لا تتناسب مع طموحاتهم.

كان الانفجار حتمياً، وكان ينتظر ساعته المناسبة. وموضوع فرض الرسوم على مكالمات الواتساب أشعل الفتيل لا أكثر، لأنه عنى للناس أن السلطة لا تفكر في إصلاح حقيقي، بل كل ما تفكر فيه هو حل الأزمات على حساب المواطن. “الواتس اب” كان القطرة التي جعلت الكأس تفيض، فكان نزول الناس، لا سيما الشباب الى الشارع، بشعار “كلن يعني كلن” ضد الطبقة السياسية بكل مكوناتها الطائفية.

من الصعوبة بمكان اطلاق توقعات بشأن مآلات الثورة. شخصياً، استبعد أن نتمكن من تحقيق كل ما نصبو إليه، خصوصاً أننا أمام سلطة مستعدة لاستخدام كل الوسائل للدفاع عن مكتسباتها. لكن يمكن القول إن الثورة حققت انجازات لا بأس بها حتى الآن. لقد فرضت الثورة نفسها في حسابات الحاكمين، ولم يعد ممكناً للسلطة تجاهلها. أصبح للثورة، بمعنى ما، حقّ الفيتو على خيارات الحكم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم يعد ممكناً تجاهل رأيها. ولعل أكبر الإنجازات أن الثورة جمعت اللبنانيين من كل المناطق والطوائف في دينامية هدفها تحسين حياتهم واحترام كرامتهم وحقوقهم. وهذه الحالة ستعيد الإعتبار والحيوية لاحقاً إلى العمل الحزبي والنقابي، وستولد أطراً للعمل ربما لم نعتد عليها.

لقد نجحت الثورة في خلق مناخ جديد في مواجهة الفساد الذي تغلغل في المجتمع. أعتقد أن الفاسدين، بدءاً من رجال السياسة والمال، وصولاً إلى الموظفين، كبارهم وصغارهم، يشعرون أنه لم يعد بإمكانهم الإستمرار في فسادهم.

إلى ذلك، أتوقع أن تطلق الثورة في الحياة السياسية، جيلاً من الكفاءات القادرة على تقديم الكثير في حل أزمات البلاد.

أما على المستوى الثقافي، فسيكون للثورة بالتأكيد الكثير لتضيفه. الثورة في ذاتها هي حالة إبداع وتجديد، وسينعكس ذلك حكماً على الواقع الثقافي.

لعل التجديد الأبرز جاء في الشعارات، بدءاً من الاغاني والهتافات مثل الهيلا هيلا هوو الشهيرة التي تردد صداها في العالم، وصولاً إلى اليافطات واللافتات الفردية، وشعارات الجدران ورسوم الغرافيتي التي لا يمكن حصرها، وتحتاج إلى الدراسة. في هذا المجال أسجل ملاحظتين:

الأولى أن حركة الإحتجاج الحالية تختلف عن حالات الإحتجاج التي عشناها في السبعينات لجهة الشعارات وآلية إنتاجها. في السبعينات كانت الهتافات والشعارات المكتوبة تنتج بطريقة مركزية، فالهتافات تأتي مكتوبة وتعمم على “الهتيفة”، وكذلك اليافطات واللافتات. أما اليوم، فهناك حرية مطلقة في ابتكار الهتافات والشعارات، وبإمكان كل متظاهر أن يأتي مع لافتته التي كتب عليها ما يريد. وما شجع هذا الأمر أن الثورة الحالية هي حالة اعتراض وغضب مفتوحة وحرة وغير خاضعة لقرار مركزي. من هنا أيضاً عبثية طلب السلطة تحديد قائد أو أكثر للثورة للتحاور معه.

لعل أجمل ما أتاحته لي الثورة هو الإقتراب أكثر من جيل الشباب الغاضب، وإمكانية التحاور معه. شخصياً، أزعم أنني لست منقطعاً عن هذا الجيل، لكن الثورة والتواجد في ساحات الإحتجاج تتيح لي وقتاً لتواصل اوسع وأغنى مع الشباب، من خلال الإستماع إلى آرائهم في خيام النقاش المختلفة.

الثورة إلى أين؟ هذا هو السؤال الكبير الذي لا يخلو من قلق، عندما نرى الهجمات المتلاحقة التي تعرضت لها أماكن الإعتصام.

لست مقتنعاً بأن سبب الهجمات هو قطع الطرقات. فقطع الطرقات أمر متّبع في الحركات الإحتجاجية عبر العالم. وقوى السلطة التي تهاجم لجوء الثورة إلى هذا الأسلوب، سبق لها أن اعتمدته مراراً. هم يريدون فقط حجة للإنقضاض على الثورة.

منذ البداية، كنت أدرك أن الثورة ستصطدم عاجلاً أم آجلاً بعراب النظام حالياً، وهو حزب الله، الذي عمل طوال سنوات على إيجاد وترويض هذه التركيبة الحاكمة، التي تضمن له السيطرة والسكوت عن دويلته الموازية المانعة لكل تقدّم، وهو سيدافع بشراسة عن انجازاته. لا أريد أن أبدو متشائماً أو إنهزامياً، لكنني أتوقع الأسوأ، لأن الحزب سيدافع عن مكتسباته بكل الوسائل. ولأن الحزب هو جزء من محور إقليمي، فإنني أتضرع إلى الله أن ينصر المحتجين في العراق وإيران، فربما يخفف هذا من آلامنا.