استمع لاذاعتنا

بعد الأزمات المتتالية.. نتائج صادمة لدراسة عن صحة اللبنانيين النفسيّة!!

لا تزال الأزمات الواحدة تلو الأخرى تهبط على رؤوس اللبنانيين، فمنذ بداية الانهيار السياسي والاقتصادي في لبنان ومع اندلاع ثورة 17 تشرين، مروراً بانهيار الليرة وصولاً إلى تداعيات انتشار جائحة فيروس كورونا المستجد.

وفي ضوء تلك الأزمت المتتالية نشرت المجلة العربية للنشر العلميّ (AJSP) في عددها الخامس والعشرين دراسة هي الأول من نوعها في الوطن العربي ولا سيما في لبنان تحت عنوان “الصّحة النّفسيّة لدى اللّبنانييّن خلال جائحة كورونا (كوفيد-19) في ضوء بعض المتغيّرات الديموغرافيّة”، تقدم بها الفريق البحثي لمبادرة نحنا حدك والمؤلف من البروفسور رشا تدمري وكل من الإختصاصيين بعلم النفس ريم فواز وحسين حمية.

حاولت الدراسة الوقوف على مستوى الصحّة النفسيّة لدى اللبنانيّين خلال أزمة الكورونا، وتحديد أبرز الاضطرابات النفسيّة التي ظهرت نتيجة هذه الوباء وذلك في ضوء بعض المتغيّرات الديمغرافيّة كالنوع، العمر، المستوى الاقتصادي والمستوى التعليمي، وقد تمّ اعتماد المنهج الوصفيّ المسحي المقارَن، لتحقيق هذا الهدف. تألّفت عيّنة الدّراسة من (2347) فرداً من مختلف المحافظات اللّبنانيّة، ترواحت أعمارهم بين (13 – 84) سنة. واستُخدمت قائمة الأعراض المرضيّة المعدّلة Symptom Checklist-90، والتي تقيس الأعراض الجسديّة، الوسواس القهريّ، الإكتئاب، القلق، العدائيّة والذهانيّة.

وقد جاء في الدراسة ان العالم ومنذ نهاية العام (2019)، يواجه أزمة صحيّة عالميّة، حيث ظهر مرض فيروس “كورونا” (COVID-19) بإعتباره وباء مهدداً للصّحة. وتوجّهت الأنظار إلى الحالة الصحيّة الجسديّة كونها هي الأهم في بادئ الأمر، وتغافل الكثر عن الحالة النفسيّة للأفراد ودورها في تعزيز المناعة النفسيّة والجسديّة على حدّ سواء. وقد أدّت جائحة فيروس “كورونا” والتباعد الإجتماعيّ إلى تغيير الطريقة التي يتفاعل فيها الأفراد، ومع الانتشار الكبير للفيروس في كل البلدان وفي ظلّ غياب أي لقاح مؤكّد أو دواء ما تزال اليوم القضايا المتعلّقة بالفيروس والوقاية منه وعلاجه موضع اهتمام، فمع ظهور العدوى، وتطبيق الحجر المنزلي، كان لا بدّ من الانتقال إلى مرحلة التفكير في مشاكل الصحّة النفسيّة، والبحث في المعاناة النفسيّة وخطر الاصابة بالاكتئاب.

وبحسب القيّمين على الدراسة، فإن الدّراسات المتخصّصة حول فيروس كورونا وأثره على الصحّة النفسيّة تُعتبر نادرة، فلا بيانات حول هذا الموضوع، وهذا الأمر الذي دفع إلى تنفيذ الدراسة الحالية للوقوف على أبرز المشكلات النفسيّة التي قد تظهر لدى الأفراد مع تحديد مستواها، خاصّة وأنّه في ظلّ الأزمة كان من الضروري كمختصّين في علم النّفس المساهمة في الوقوف على مستوى الصحّة النفسيّة لدى المجتمع اللبناني، للقيام بالخطوات الوقائيّة والعلاجيّة المناسبة قبل تفاقم المشكلات. وانطلاقًا ممّا سبق تظهر أهميّة الدّراسة العلميّة من حيث أنّها تعدّ الأولى من نوعها- في حدود العلم والاطلاع- التي تهتم بمجال تحديد مستوى الصحّة النفسيّة وتحديد أبرز المشكلات النفسيّة التي يُعاني منها أفراد المجتمع اللبناني في ظلّ انتشار فيروس كورونا.

وأظهرت النتائج أنّ اللّبنانيّين يتمتّعون بدرجة مرتفعة من الصّحة النفسيّة، رغم جائحة كورونا ورغم الحجر، ويمكن تفسير الأمر في ضوء الأزمات التي يمرّ بها اللبنانيّون، إذ يتعرّض المجتمع اللبناني منذ سنوات طويلة لكثيرٍ من الحروب والأزمات والتغيّرات الضاغطة والضغوط المختلفة والمستمرّة، بدءًا من الأزمات السياسيّة والأمنيّة المستمرّة، مرورًا بثورة 17 تشرين وصولاً إلى الأزمة الاقتصاديّة المريرة، وانفجار 4 آب وهذا ما جعله غير مستقر من جميع الجوانب السياسيّة والأمنيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، فتراكم الضغوط على اللبناني جعلته شخصيّة صَلْبة تتحمّل الصّعاب والضّيق، وتسعى إلى التوافق مع مختلف الظّروف.

كما تبيّن أنّ الأصغر سنًّا هم الأكثر تضرّرًا على المستوى النفسي من الكِبار، وهذا أمر طبيعيّ، فمع إغلاق المدارس والجامعات وإلغاء جميع الأنشطة الترفيهيّة يفوّت العديد من المراهقين بعض أهم اللحظات في حياتهم ويُحرَمون المتعة اليوميّة وأصبحوا يستاءلون عن مصير مستقبلهم.

وأظهرت النتائج أنّ الإناث هنّ الأكثر تأثّرًا نفسيًّا، ولعلّ السبب في ذلك هو ما تُعانيه المرأة في ظلّ بقاء جميع أفراد الأسرة في المنزل وما يترتّب على ذلك من أعباء جسديّة وضغوط نفسيّة.

وقد كشفت النتائج أيضًا أنّ مستوى الصحّة النفسيّة لدى العازبين أدنى منه لدى المتزوّجين، فغير المتزوّج يُظهر أعراضًا نفسيّة لا يُظهرها المتزوّج، خصوصاً وأنّ حياة العزوبيّة تزيد من خطر الإصابة بالأمراض النفسيّة كالقلق والاكتئاب.

وتبيّن أنّ اللبنانيين ذوي المستوى التعليميّ المتوسّط أكثر معاناة من الأعراض المرضيّة ولديهم مستويات أكثر إنخفاضاً من الصّحة النفسيّة مقارنةً بذوي المستويات التعليميّة الجامعيّة. وتجدر الإشارة إلى أنّ هناك علاقة وثيقة بين المستوى التعليمي والوضع الوظيفي من ناحية وبالمستوى الاقتصادي من ناحيةٍ أخرى.

وقد كشفت النتائج أنّ اللبنانييّن ذوي المستوى الإقتصاديّ المتدني يُعانون من مستويات أكثر إنخفاضاً من الصحة النفسيّة مقارنةً بذوي المستوى الإقتصاديّ المرتفع. حيث أدّت الجائحة إلى الركود الاقتصادي، وانعكست سلبًا على القدرة على دفع ثمن الضروريّات الأساسيّة مثل الطعام، أو التدفئة، أو الإيجار واستخدام معظم المدّخرات الشخصيّة وحتى الاقتراض. ولا شكّ أنّ الوضع في لبنان معقّد بعض الشيء، حيث أنّ أزمة كورونا قد تزامنت مع فقدان الليرة اللبنانيّة أكثر من نصف قيمتها مقابل الدولار في بداية فترة انتشار الوباء، ممّا سبّب ارتفاعًا في أسعار معظم المواد الغذائيّة والأدوية والمستلزمات الطبيّة ممّا شكّل عبئًا إضافيًّا على المواطن اللبنانيّ. لذا كان من الطبيعيّ أن تُظهر النتائج علاقة بين المستوى الاقتصادي المنخفض وتدنّي الصحّة النفسيّة. وفي السياق نفسه أظهر العاطلون عن العمل مستويات أكثر إنخفاضاً على مستوى الصحة النفسيّة مقارنةً بالعاملين.