الأحد 10 ربيع الأول 1448 ﻫ - 23 أغسطس 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

بهاء الحريري يكتب في "عرب نيوز": الأزمات اللبنانية تظهر أسوأ وأفضل ما في الإنسانية

ترجمة "صوت بيروت إنترناشونال"
A A A
طباعة المقال

كتب الشيخ بهاء الحريري في “عرب نيوز”: ارتبط لبنان تاريخياً بالتجارة والثقافة والتقاليد، ولطالما عرف بـ”سويسرا الشرق الأوسط” أرض الجمال، مع قطاع مالي قوي وحكم مستقر. أنا اليوم لا أعرف بلدي. كلمة واحدة تلخص الوضع في لبنان: أزمة.

ومن أهم هذه الأزمات، الأزمة الاقتصادية التي تؤثر على كل جانب من جوانب الحياة في البلاد. وقد أطلق عليها البنك الدولي واحدة من أسوأ الأزمات على هذا الكوكب منذ منتصف القرن التاسع عشر.

شهد التضخم ارتفاع أسعار السلع اليومية، مع ارتفاع مؤشر أسعار المواد الاستهلاكية بأكثر من 208 في المائة، في حين ارتفعت تكلفة الطعام والشراب بنسبة 670 في المئة. وفي الوقت نفسه، أصبحت الرواتب لا قيمة لها بشكل متزايد يوماً بعد يوم. حتى قيادة الجيش غير قادرة على دفع رواتب جنودنا، مما أدى إلى تآكل آخر ركيزة من ركائز الاستقرار في لبنان.

في الوقت نفسه، يعاني بلدي أيضاً من أزمة صحية عامة مألوفة. علاوة على محاربة الوباء، يمثل نقص الوقود في لبنان تحدياً جديداً للمستشفيات في إبقاء مرضى كوفيد – 19 على قيد الحياة. كما ضرب السقوط الحر الذي يعاني منه اقتصادنا الإمدادات الطبية. مثل القطاع العسكري، يهرب المهنيون الصحيون من البلاد مع تقلص قيمة رواتبهم. الشعب يصلي من أجل وضع حد للوباء، ومن أجل الحصول على اللقاحات. ولكن بينما ينتظرون الخلاص، تقفز النخب إلى قائمة الانتظار من أجل الحصول على اللقاحات المنقذة للحياة.

ثم هناك الأزمة السياسية. لبنان في حالة من الشلل بدون حكومة لأكثر من عام، في حين أنّ السياسيين الذين يخدمون أنفسهم يتشاجرون في القصور الرئاسية. وفي الوقت الذي تتضور فيه البلاد جوعاً، يتمّ تعيين رئيس الوزراء ليأتي ومن ثمّ يرحل.

يلعب حزب الله ألعاباً حربية على الحدود الإسرائيلية، ويهدد بنقل البلاد إلى صراع يعارضه السكان تماماً. يطلق أمراء الحرب الصواريخ على إسرائيل، وهي أعمال بهلوانية تكلف آلاف الدولارات التي ينبغي استخدامها لدعم أفقر الناس في المجتمع.

ثم هناك المآسي، المآسي التي يمكن تجنبها والتي تمزق العائلات. في الرابع من آب 2020 انفجرت مئات الأطنان من نترات الأمونيوم في ميناء بيروت، مما أسفر عن مقتل 218 شخصاً بريئاً.

للاحتفال بالذكرى السنوية للانفجار، رثيتُ “دورة المعاناة التي لا تنتهي أبداً في لبنان. لم أكن أعلم أنه بعد أكثر من أسبوع بقليل، سنحزن مرة أخرى، ولكن هذه المرة على 28 شخصاً لقوا حتفهم في انفجار خزان للوقود في عكار في شمال البلاد. مرة أخرى، كانوا ضحايا الإهمال والأزمات التي كانت من صنع الإنسان.

من السهل فقدان الثقة عند مناقشة سلسلة الأزمات التي يواجهها لبنان، فالشعب يعيش في ظروف غير مقبولة أو بدون عمل بأجر عادل، و الأطفال يعانون من الجوع، و كبار السن رأوا مدخراتهم يتمّ محوها. من السهل أن تغضب من أولئك الذين نسقوا هذه الأزمات، وهم المسؤولون الفاسدون والسياسيون المتعطشون للسلطة والمتعصبون العميان، لأنهم أسوأ ما في البشرية.

ولكن في اليوم العالمي للعمل الإنساني، أريد أن أحتفل بأولئك الذين لم يتخلوا عن لبنان، فهم أفضل ما في الإنسانية. وفي غياب الخدمات العامة العاملة، والتي تقع على عاتق الحكومة، يمكننا أن نشعر بالراحة عندما نرى قوة وتواضع الشعب اللبناني. المجتمعات كافة تعمل معاً بنبل لمساعدة بعضهم البعض.

في جميع أنحاء لبنان، نسمع قصصاً عن أشخاص عاديين يقومون بأشياء غير عادية. حتى وسط رعب انفجار مرفأبيروت، أظهر اللبنانيون للعالم من هم في الحقيقة. وكان من بين القتلى رجال الاطفاء الذين ضحوا بحياتهم في محاولة للحفاظ على سلامتنا. قام عشرة من رجال الإطفاء وهم نجيب حتي، شربل حتي، رالف ملاحي، شربل كرم، جو نون، رامي كعكي، جو بو صعب، إيلي خوزامي، مثال حوا وسحر فارس، بالتضحية القصوى، ولن يتم نسيانهم أبداً.

وفّر سكان بيروت العاديون المأوى للجيران الذين دمرت منازلهم، ورفعوا الأنقاض من الطرقات لإفساح المجال لسيارات الإسعاف. وتواصل منظمات مثل سوا للبنان دعم المجتمعات المحلية المتضررة من الانفجار وتفاقم الأزمة الاقتصادية. خلال شهر رمضان، تعاونت سوا مع 200 متطوعاً لتوزيع أكثر من 10,000 صندوق غذائي على الأسر التي تواجه صعوبات مالية وانعدام الأمن الغذائي.

كما بقي أصدقاء لبنان في المجتمع الدولي إلى جانبنا. وقد جمع المانحون ما لا يقل عن 370 مليون دولار خلال مؤتمر دولي عقد مؤخراً، في حين تم التبرع بمئات الآلاف من اللقاحات. بعد مأساة عكار، سارعت الكويت والأردن إلى إرسال الإمدادات الطبية، لضمان عدم انهيار نظام الرعاية الصحية لدينا تحت ضغط انفجار آخر. كما قامت الأمم المتحدة بدورها، من خلال برنامج تنموي يساعد البلديات في جميع أنحاء لبنان على إضفاء الطابع المهني على شرطتها البلدية وقدرتها على خدمة مجتمعاتها.

في حين تعتبر هذه القصص إغاثة مرحب بها في ظلّ حكايات الفساد والإهمال، فإنّ أفضل مساعدة إنسانية يمكن أن يتلقاها اللبنانيون هي جيل جديد من القادة لإعادة البلاد إلى مسارها الصحيح.

لهذا السبب وسعت سوا للبنان عملياتها، من إعطاء صناديق غذائية للمجتمعات إلى تقديمها طريقاً للتعافي. إنها بمثابة بديل واضح للمؤسسة الحالية. تتمثل مهمة المنظمة في خلق نظام غير طائفي من شأنه القضاء على الفساد وتحقيق الرخاء الاقتصادي. إنهم أصحاب رؤية، يتحدّون النخب السياسية التي تترأس لبنان حالياً وتدفعه إلى الانحدار. سيستغرق ذلك بعض الوقت، لكنني واثق من أنّ مستقبل لبنان سيكون أكثر إشراقاً مما نحن عليه اليوم.

في غضون ذلك، ما يحتاجه لبنان بشكل عاجل هو حكومة اختصاصيين، يمكنها أن تطلق العنان لدعم صندوق النقد الدولي الذي سيقطع مكابح السقوط الحر للاقتصاد. يمكن لحكومة تعمل بكامل طاقتها أن تأخذ الشعلة من الأبطال والعاملين في المجال الإنساني الذين أبقوا شعلة لبنان مشتعلة في أحلك ساعات حياتنا.