
الدولار والليرة اللبنانية
بعد اندلاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية–الإيرانية، يتجه النقاش في لبنان سريعًا نحو البعد العسكري، وكأن الاقتصاد تفصيلٌ لاحق. إلا أن الخطر الاقتصادي قد يكون أشد فتكًا من الصواريخ، لأن لبنان يقف أصلًا على أرضية منهارة منذ عام 2019، بلا احتياطيات كافية، وبلا نظام مصرفي سليم، وبلا دولة قادرة على امتصاص الصدمات.
في هذا السياق، يتوقع الخبير الاقتصادي الدكتور بلال علامة أن أي مواجهة واسعة في الخليج أو شرق المتوسط ستُطلق فورًا صدمة طاقة عالمية، ولا سيما إذا تعرّضت حركة الملاحة في مضيق هرمز للاضطراب، حيث يمر جزء كبير من إمدادات النفط العالمية. ويعتبر أن ارتفاع الأسعار بنسبة كبيرة ليس سيناريو خياليًا في مثل هذه الظروف، مشيرًا إلى أن لبنان، الذي يستورد كامل حاجاته من المحروقات، سيجد نفسه أمام موجة تضخمية جديدة تضرب كلفة النقل والكهرباء والغذاء وكل سلعة أساسية، ما يعني تآكلًا إضافيًا في القدرة الشرائية لمجتمع استُنزف أصلًا.
ويضيف علامة أن الأخطر هو أن الاقتصاد اللبناني لم يعد يملك أدوات حماية الليرة التي فقدت معظم قيمتها، وستتعرّض لضغط إضافي مع أي تصاعد إقليمي، لأن منطق الأسواق في أوقات الحرب بسيط: الهروب إلى الدولار. ويرى أن ارتفاع الطلب على العملة الصعبة، وتراجع الثقة، واحتمال خروج ما تبقى من سيولة إلى الخارج، كلها عوامل قد تدفع إلى موجة تدهور جديدة في سعر الصرف. ومع كل اهتزاز في الدولار ترتفع الأسعار تلقائيًا في اقتصاد مُدولَر فعليًا، حيث تُسعَّر السلع والخدمات بالدولار وتُدفع الأجور بالليرة، ما يخلق دائرة تضخمية مغلقة لا تملك الدولة وسائل لكسرها.
في الوقت نفسه، يشير علامة إلى أن لبنان يعتمد اليوم على التحويلات من الخارج كخط دفاع أول عن الاستهلاك الداخلي. وهذه التحويلات تأتي بمعظمها من دول الخليج وأفريقيا وأوروبا وأميركا الشمالية، لافتًا إلى أن أي حرب إقليمية واسعة قد تُبطئ الاقتصادات الخليجية أو تدفع إلى تشدد مصرفي ورقابي عالمي خشية تمويل أطراف النزاع. وحتى تراجع محدود في التحويلات ستكون له انعكاسات مباشرة على الأسواق المحلية، لأن الاستهلاك بات المحرك شبه الوحيد للنشاط الاقتصادي بعد انهيار الاستثمار والإنتاج.
كما يتحدث علامة عن ارتفاع كلفة التأمين والشحن البحري، ما سيزيد فاتورة الاستيراد، ولا سيما عبر مرافئ مثل مرفأ بيروت الذي لم يستعد بعد كامل عافيته منذ الانفجار. وبما أن لبنان يستورد معظم غذائه، فإن أي اضطراب في سلاسل الإمداد أو ارتفاع في أسعار الحبوب والطاقة سيترجم تضخمًا غذائيًا سريعًا يطال الفئات الأكثر هشاشة.
ومن التداعيات المهمة أيضًا، يلفت علامة إلى أثر الحرب على السياحة والخدمات، وهما القطاعان اللذان وفّرا بعض الأوكسيجين النقدي في المواسم الأخيرة. ويؤكد أن صورة بلد على حافة نزاع إقليمي كافية لإلغاء الحجوزات وتجميد الرحلات، ما يعني خسارة مئات ملايين الدولارات في فترة قصيرة.
كذلك يتوقع علامة أن تتشدد العقوبات والرقابة على التعاملات المالية في المنطقة، ما يزيد عزلة النظام المصرفي اللبناني ويعمّق التحول نحو اقتصاد نقدي غير منظم، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر تبييض أموال، وتراجع شفافية، وفقدان ثقة.
ويختم علامة بالقول إن المفارقة تكمن في أن لبنان قد يتضرر اقتصاديًا حتى لو لم يقرر حزب الله التدخل 0عسكريًا؛ إذ يكفي أن يكون في الجغرافيا الخطأ في لحظة اشتعال إقليمي حتى ترتفع كلفة المخاطر عليه. فاقتصاد بلا إنتاج كافٍ، وبلا شبكة أمان اجتماعي، وبلا سياسة مالية واضحة، لا يستطيع تحمّل صدمة خارجية كبيرة. وإذا طال أمد الحرب لأشهر، فإن مزيج ارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع التحويلات، وضغط سعر الصرف، وتجميد الاستثمارات، قد يدفع الاقتصاد إلى انكماش جديد، ويُدخل البلاد في مرحلة تضخم مرتفع مع ركود عميق، أي أسوأ ما يمكن أن تواجهه دولة مأزومة.