الجمعة 26 ذو الحجة 1447 ﻫ - 12 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

زلزال في الكواليس.. إيران ترفع يدها عن الأذرع!

شهدت أروقة القنوات الدبلوماسية المغلقة بين واشنطن وطهران في الآونة الأخيرة تحولات نوعية تجاوزت الأنماط التقليدية لإدارة الصراع في منطقة الشرق الأوسط، ولعل أكثر المعطيات إثارة للدهشة في جولات النقاش الأخيرة تتمثل في أن ملف الأذرع الإقليمية والشراكات العسكرية لإيران بالمنطقة وفي مقدمتها حزب الله والذي طالما عُدّ من أعقد الخطوط الحمر التي يمنع المساس بها، قد تحول فجأة إلى واحد من أسهل البنود وأكثرها سلاسة على طاولة البحث الإستراتيجي بين الطرفين.

وتشير المعطيات المسربة من كواليس هذه المفاوضات لـ”صوت بيروت إنترناشونال”، إلى أن طهران أبدت مرونة غير مسبوقة تقرّ بوجود ضرورة ملحة لوضع حد لنفوذ هذه الأذرع أو كبح أدوارها العسكرية المباشرة في دول الجوار، إلا أن هذا التنازل، الذي يبدو جوهرياً وتاريخياً في ظاهره، يحمل في طياته أبعاداً منابِذة ومناورات إستراتيجية ذكية، حيث وافقت القيادة الإيرانية على المبدأ العام بمرونة تامة، لكنها لم تبحث في آليات التنفيذ، وكيفية إنهاء الدعم المالي واللوجستي، أو وضع جداول زمنية واضحة لتفكيك هذه العلاقة العضوية الممتدة لعقود.

وتُفسر هذه المرونة الإيرانية المفاجئة عبر زاويتين رئيسيتين، الأولى تكمن في رغبة طهران بالهروب من الضغوط الدولية الخانقة وتخفيف حدة العقوبات الاقتصادية التي تثقل كاهل الداخل الإيراني، وذلك عبر تقديم “تنازل ورقي” يسحب ذريعة التصعيد العسكري المباشر من الإدارة الأميركية، أما الزاوية الثانية فترتبط ببراغماتية إيرانية تفصل تماماً بين التكتيك المرحلي والإستراتيجية الثابتة، حيث تدرك طهران أن تفكيك شبكة نفوذ إقليمية معقدة لا يمكن أن يتم بقرار فوقي مفاجئ، ومن ثم فإن الموافقة على العناوين العريضة تمنحها مساحة زمنية واسعة للمناورة وإغراق المفاوضات في تفاصيل تقنية لا تنتهي.

إن إدراج حزب الله تحديداً ضمن قوائم المرونة الإيرانية يمثل التحول الأبرز في هذه الدبلوماسية الجديدة، فالحزب لا يمثل مجرد فصيل حليف، بل هو درة التاج في مشروع “محور المقاومة” والذراع الأكثر تنظيماً وتسليحاً، ومجرد استعداد طهران لمناقشة مستقبله يعكس حجم التحولات الجيوسياسية الراهنة، لكنه يعكس أيضاً قناعة إيرانية بأن الحزب امتلك عبر السنوات
بنية تحتية سياسية، واجتماعية، ومؤسساتية داخل لبنان تمكنه من الاستمرارية والتعايش، حتى لو رُفع الغطاء الإيراني المباشر عنه أو جرى تقليصه تحت وطأة التفاهمات الدولية.

وفي المقابل، تبدو الإدارة الأميركية مدركة لخطورة غياب آليات التنفيذ الصارمة، فالتاريخ التفاوضي مع إيران يثبت أن “المرونة الشفهية” هي سلاح طهران التقليدي لإعادة تموضعها عند الأزمات الكبرى، فالإشكالية الحقيقية لن تكون في إعلان النوايا، بل في تفاصيل التفاصيل: كيف يمكن مراقبة تدفقات الأموال وشبكات التهريب؟ وكيف تُفكك الترسانات الصاروخية الضخمة دون تفجير الأوضاع داخلياً؟ ومن يضمن عدم عودة التنسيق الاستخباراتي خلف الستار؟ وبناءً على ذلك، يبقى بند الأذرع الإقليمية، رغم سهولة مناقشته ظاهرياً، حبراً على ورق ينتظر الشياطين الكامنة في تفاصيل التنفيذ، والتي قد تجهض هذا التحول أو تعيد صياغته بشكل يضمن لإيران الحفاظ على نفوذها الناعم كبديل للتموضع العسكري الفج.