
الرئيس الأميركي دونالد ترامب
“ضربناهم بقوة بالأمس، وسنضربهم بقوة أكبر اليوم”.. بهذه العبارة الحاسمة على منصته “تروث سوشال”، حدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ملامح خطته للمرحلة القادمة تجاه النظام الايراني الذي عبث بالمحيط وبالعالم،رافعاَ الستار عن موقفه الحقيقي بعدما شل قدرات العالم على معرفة ما يدور في عقله، على مدى أشهر بتصريحاته الضبابية التي أربكت الشرق الأوسط والعالم الذي انتظر منه موقفاً حاسماً تجاه نظام “الولي الفقيه”.
الموقف الذي اعلنه ترامب، لم يكن مجرد تهديد، بل كان إيذاناً ببدء تنفيذ خطة أمريكية مجهزة وضعها على طاولته في المكتب البيضاوي محدداً ساعة الصفر. هذه الخطة يبدو أنها دخلت في مسار التنفيذ ،وهي حظيت بدعم صريح من إدارته ووزير الدفاع بيت هيغسيث الذي أكد عليها بتصريحه الذي قال فيه … “إذا اضطررنا للتفاوض بالقنابل، سنتفاوض بالقنابل”. لكن ترامب أبقى، بالتزامن مع هذه الضربات، على سياسة “الترغيب والترهيب” التي اعتمدها سابقاَ ، عندما كشف لشبكة “فوكس نيوز” أن مسؤولين إيرانيين طلبوا وقف القصف، لكنه حذر من استمرار الضربات إذا لم يتم توقيع اتفاق سياسي.
الضربات الأمريكية المتتالية على طهران تؤشر إلى أن النتائج التي كان ينتظرها ترامب من هذا النظام فقدت صلاحياتها، فالمسار الطويل والمتعرج الذي سلكه “الولي الفقيه” معتمداً على أسلوبه التقليدي في المناورة لم يعد يجدي نفعاً، لأنه بات مكشوفاً. فترامب حاول ممارسة اللعبة السياسية مع طهران بذات النهج الذي تتقنه، وبمعنى آخر “بالأسلوب الحذر والواقعي”، بإبداء انفتاح تفاوضي والإيحاء بالتفاؤل، وتارة أخرى يتوعد بمحو ايران عن الكرة الأرضية. غير أن الضربات الأمريكية خلال هذا الأسبوع أظهرت أن هذه التناقضات تخفي حسابات مغايرة، إنها قمة “البراغماتية الترامبية” التي أنهاها بقطع حبال المناورة الإيرانية.
فشل اعادة ربط لبنان بطهران
ان الضربات الأمريكية التي نفذها ترامب انتقاماَ لإسقاط “الأباتشي” ، تزامنت مع ما اعتبر خطوة عسكرية تمهيدية نفذتها إسرائيل بعد الاستهداف الذي قامت به على الضاحية الجنوبية لبيروت، في خطوة جاءت مباشرة بعد تهديد إيران بأنها سترد إذا استهدفت هذه المنطقة، فكانت الضربة بمثابة رسالة صارمة وحازمة تخبر طهران أن أوراقها في لبنان لم تعد صالحة للمقايضة. وعلى هذا الأساس، لم تكتف إسرائيل بالضاحية، بل واصلت توغلها في الجنوب اللبناني حتى وصلت البارحة إلى مشارف النبطية، في مشهد يعكس إرادة إسرائيلية حاسمة لكسر دور “حزب الله” كذراع إيرانية، وهي الورقة التي حاولت طهران من خلالها تحدي ترامب عبر إعادة تحريكها للضغط على المسار التفاوضي،لا كرمى لـ”حزب الله” الذي بات ذراعاً مستنزفاً لصالحها، بل لإدخال لبنان مجدداً في لعبة المقايضات الإقليمية ومحاولة لرفع سقف التحدي أمام واشنطن عبر استغلال هذه الورقة التي انتزعها ترامب من خلال المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الأخيرة، لتعود اليوم وتضغط بها في محاولة يائسة لاستعادة نفوذها. إلا أن هذه الخطوة كانت الشرارة التي أشعلت المشهد، ليؤكد هذا التصعيد الميداني أن لبنان أصبح جزءاً أساسياً من معركة كسر الإرادات بين ترامب وطهران.
اسرائيل ترد في عمق طهران
بعد تنفيذ طهران لتهديداتها باستهداف تل أبيب بصواريخها الباليستية، ردت إسرائيل على العمق الإيراني من خلال ضربات شملت أهدافاً عسكرية وحيوية، بقصفها مصانع البتروكيماويات ومجمعات تصنيع السلاح لتعطيل القوة الإنتاجية، هدفت منها إضعاف قدرات النظام من الداخل. لاحقاً، استكملت الولايات المتحدة الضربات بعد استهداف “الأباتشي” بتركيزها على مضيق هرمز والساحل الجنوبي وجزيرة قشم، بالإضافة إلى مناطق بندر عباس وميناب وسيريك، حيث استهدفت منظومات الرادار لتعطيل قدرة إيران على مراقبة الممر المائي، وبطاريات الدفاع الجوي لإضعاف قدرة “الحرس الثوري”على حماية مجاله الحيوي، إضافة إلى مراكز الاتصالات الساحلية لشل التنسيق العسكري. وفجر اليوم أيضاً، استمرت الضربات الأمريكية بنفس النهج، مركزة على مواقع إضافية مرتبطة بالقدرات البحرية الإيرانية، في رسالة واضحة أن واشنطن ماضية في فرض السيطرة العسكرية وضمان حرية الملاحة الدولية، تاركة النظام معزولاً ومكشوفاً.
يتضح اليوم بعد الضربات الأخيرة ، أن ترامب لم يكن هدفه “حرب شاملة”، بل يريد خنق النظام ببطء عبر ضربات دقيقة تجرد طهران من أوراق قوتها العسكرية والبنيوية باستنزافها وكسر قدراتها وإجبارها على التراجع والجلوس إلى طاولة التفاوض، وهو أمر يبدو شبه مستحيل لأن نظام الملالي لن يخضع وسيستمر في استنزاف نفسه ومقدراته وأذرعه، وعلى رأسهم “حزب الله”. ولا يمكن لصواريخه الباليستية التي باتت متهالكة، ومسيرته التي تضرب وفق ما تسوق له طهران القواعد الأمريكية في الكويت والبحرين والأردن، أن توقف الضربات الأمريكية. كما أن محاولته الإشاعة بأنه أغلق مضيق هرمز بالكامل لم تكن حقيقية، لأن القيادة المركزية الأمريكية أكدت استمرار تأمين عبور السفن بالقوة، لتظهر أن واشنطن لن تسمح لطهران بفرض معادلة جديدة في الخليج، ولتثبت أن زمن التهديدات الإيرانية الفارغة قد ولى.
يبدو أن المشهد الميداني الحالي الذي ترزح تحته طهران أصاب ما تبقى من صناع القرار فيها بشلل دبلوماسي، تجلى في مسارعتهم إلى نقل الوساطة من باكستان إلى قطر، في محاولة هروب إلى الأمام لتأخير السقوط بعد أن ضاقت على النظام الخيارات في إسلام آباد تحت وطأة ضربات ترامب الموجعة. هذا التحول كشف بشكل ملموس عن التخبط الذي يعيشه نظام “الملالي” أمام خسائر على كافة الميادين بدأت تشل قدراته بشكل تدريجي. فهل ستجلس طهران على طاولة ترامب، أم أنها ستستمر في المناورة حتى يسقط الهيكل بالكامل؟