استمع لاذاعتنا

“جنون” الأسعار.. ثلاث نقاط رئيسية أدت الى ارتفاعها!

“لعب” الدولار، فتلاعَب التجار بالأسعار. أغلبهم لم يفرّق بين السلع القديمة الموجودة على الرفوف، وتلك الجديدة التي اضطروا الى شرائها على سعر دولار لامس 1850 ليرة. رُفعت الأسعار مرة واحدة بنسب تجاوزت 50 في المئة على الكثير من السلع. “هستيريا الغلاء” تحوّلت خلال أيام الى كرة ثلج، تدحرجت من تجارة “الجملة”، ومرّت بتجارة المفرّق، وطاولت مختلف الأصناف والخدمات.

“لم نكن نتوقّع أن ترجع بنا الأيام الى مرحلة تلاعب الدولار القاتل”، يقول أحد المواطنين خلال وقوفه أمام أحد أفران العاصمة، ويتساءل عمّا إذا كانت فورة الأسعار وليدة حاجة فعلية أم هي استغلال للوضع. “فالتجار لا يحقّ لهم أن يزيدوا أسعار السلع التي اشتروها على سعر الصرف القديم”. يجيبه صاحب الفرن الذي رفع تسعيرة المناقيش بين 500 و1000 ليرة بأن “تنكة الجبنة زاد سعرها من 100 الف ليرة الى 123 الفاً.. شو فينا نعمل.. منسكر أو منغلّي؟”.

هذا النقاش هو عيّنة بسيطة ممّا يجري تداوله في الأسواق، والصالونات وأروقة السياسة الخلفية. وبغضّ النظر عن السعر السوقي الحقيقي للدولار، فإن إقفال المصارف لنحو أسبوعين عمّق المخاوف، ودفع كل التجار الى رفع الأسعار تحسّباً للآتي من الأيام. فالبيع بالسعر القديم، سيخفّض كمية مشترياتهم بنسبة 20 وحتى 30 في المئة على المشتريات الجديدة، وهم بالتالي مرغمون على رفع الأسعار للمحافظة على أعمالهم، بحسب ما تفيد أوساطهم.

أبعد من سعر الصرف

نائب رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان نبيل فهد، يشير الى ثلاث نقاط رئيسية أدت في الآونة الأخيرة الى ارتفاع الأسعار على بعض السلع بشكل ملحوظ، بعد أن كانت طوال العام الماضي مستقرّة، ولم تتجاوز نسبة التضخم 1 في المئة بحسب مؤشر الإحصاء المركزي الذي يصدر في أيلول. والعوامل هي:

– زيادة 3 في المئة في موازنة العام 2019 على الجمارك، تضاف إليها ضريبة على القيمة المضافة بمقدار 11 في المئة، فتصبح الزيادة 3.33 في المئة.

– زيادة تتراوح نسبتها بين 10 و35 في المئة على سلة كبيرة من السلع المستوردة، تضمّنتها أيضاً موازنة 2019 بحجة حماية المنتجات الوطنية.

– إنخفاض سعر صرف الليرة مقابل الدولار منذ فترة ليست بقصيرة، وتعاظمه في الآونة الأخيرة حيث وصل الى 1900 ليرة مقابل الدولار.

فرق الدولار أثّر بشكل مباشر على مجموعة من السلع التي تعتبر دورتها التجارية سريعة جداً، كمنتجات التبغ والتنباك والحبوب. “فكل المتاجر الكبيرة والصغيرة لا تملك ما يكفي من هذه المنتجات لأكثر من أيام معدودة. وبعد أن اشترط الموردون علينا الدفع بالدولار، الذي بلغ سعر صرفه 1850 عند الصرّافين، لم يبقَ أمامنا إلا خياران: إما زيادة فرق السعر على المنتج أو وقف الشراء”، يقول فهد.

دولار “الريجي”

الدخان هو السلعة الأكثر تأثراً بسعر الدولار، حيث زادت العلبة الواحدة بين 1000 و1500 ليرة. حتى السيجارة الوطنية “سيدرز” وصل سعر العلبة الى 1500 ليرة. والمفارقة أن سبب الإرتفاع ليس القطاع الخاص او المستوردون بل إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية (الريجي)، والتي هي مؤسسة عامة تابعة للدولة. إذ لا تقبل الأخيرة إلا ان يدفع رؤساء البيع (أصحاب رخص الشراء والتوزيع) ثمن البضاعة إلا بالدولار الاميركي. وهو ما فرض عليهم زيادة الأسعار على التجار الذين زادوا السعر على المستهلكين.

غياب العروض

عنصر آخر لارتفاع الاسعار تمثّل في غياب العروضات. ففي الفترة الماضية، ونتيجة حالة الركود التي رزحت تحتها الأسواق، عمدت كبريات المؤسسات الى المنافسة بالعروض وتخفيض الأسعار. فتلك “السوبر ماركت” لديها حسومات تصل الى 50 في المئة في “خميس الجنون”، وأخرى لديها عروضات “cache back”، وغيرها الكثير من التسميات التي تشير كلها الى نقطة أساسية واحدة: إنخفاض في الأسعار. أما اليوم ومع إختفاء العروضات من معظم المحالّ نتيجة الظروف، عادت الأسعار الى ما كانت عليه.

فقدان مرجعية التسعير

نتيجة هذه الأسباب فقدَ المواطنون مرجعية التسعير الحقيقية التي تسمح لهم المقارنة بين السعر القديم والسعر الجديد. وشكّل هذا الأمر ضياعاً ونقمة عارمة عند المستهلكين، إنصبّت كلها على التجار، الذين يُجمعون على أن “الأزمة فُرضت علينا فرضاً. وعلى خلاف ما يعتقد الكثيرون فإن ارتفاع الاسعار لا يصب في مصلحتنا، لانه يخفّض كمية البيع”.

عقلنة الأسعار

بعد معاودة فتح المصارف أبوابها تراجع سعر صرف الدولار من 1850 الى حدود 1600. ومن المفترض أن ينعكس هذا التراجع إنخفاضاً في الأسعار، سيبدأ المستهلكون بملاحظته مع مطلع هذا الأسبوع. إلا أن هناك الكثير من السلع التي تتراجع أسعارها لأن بعض الموردين عمد الى زيادة الاسعار الناتجة عن الضرائب والجمارك والتدابير الحمائية دفعة واحدة.