استمع لاذاعتنا

جنون الدولار أحرج الحكومة.. ودياب يشن هجوما عنيفا على حاكم المركزي

في موقف غير مسبوق، شنّ رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب هجوماً عنيفاً على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، على خلفية ما وصفه بـ”التدهور المريب في سعر العملة الوطنية، في ظل سلطة محدودة للحكومة”.

 

وقال دياب في كلمة مكتوبة تلاها بعد جلسة طويلة لمجلس الوزراء امتدت لنحو 5 ساعات، أن الحاكم الذي في يده السلطة النقدية يثير “غموضاً مريباً إزاء أدائه، يسرع التدهور. فمصرف لبنان يقف إما عاجزاً أو محرّضاً للتدهور، ولم يعد ممكناً الاستمرار بسياسة المعالجة في الكواليس”، داعياً سلامة إلى “الوضوح وتغيير في نمط التعامل مع الناس”. وقا

ل “فليخرج سلامة ويعلن الحقائق للناس وأفق المعالجة”. وسأل دياب “هل ما زال بإمكان سلامة طمأنة اللبنانيين الذين يعيشون بقلق كبير على معيشتهم وأموالهم، كما فعل سابقاً، ثم فجأة تبخّرت التطمينات”.

وكشف دياب عن المعطيات التي بين يدَيْه وتبيّن أن “الخسائر تتسارع وتيرتها وارتفعت قيمته إلى 7 مليارات دولار، منها 3 مليارات في الأسابيع الأربع الماضية. وذكّر بـ”القرار التاريخي للدولة بتكليف شركة دولية للتدقيق بحسابات المصرف المركزي”.

كما أشار رئيس الحكومة اللبنانية إلى أن “5.7 مليارات دولار من الودائع خرجت في شهرَيْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين، وندقق بالأرقام في مارس (آذار) الماضي”.

وقال إن “الحكومة في صدد إعداد مشروع قانون يلزم أصحاب المصارف وأصحاب الحقوق الاقتصاديين الحائزين على ما نسبته 5 في المئة من رأسمال المصارف، إضافةً إلى أشخاص في مراكز إدارية وسياسية من أجل إعادة الأموال المحوّلة منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بدءًا من مبلغ 50 ألف دولار”.

وخلص دياب موجهاً رسائل إلى “مَن يخطّطون للانقلاب وسلب الناس أموالهم، فالحكومة لن تتهاون في قمع كل عبث بالاستقرار المالي، وستضرب بحزم”.

 

جلسة صاخبة

وجاءت كلمة دياب بعد جلسة صاخبة لمجلس الوزراء تناولت مسألة إقالة الحاكم، وسط حالٍ من الإرباك والتشنّج سادت إثر طرح رئيس الجمهورية ميشال عون الموضوع واستبدال سلامة بحاكم جديد. لكن الاقتراح لم يلقَ تجاوباً إلّا من وزراء “حزب الله” والتيار الوطني الحر،

فيما اعترض وزيرا “حركة أمل”، فلم يُطرح الموضوع على التصويت، ما عكس أن الطرح لم يكن جدياً، بل يهدف إلى الضغط على سلامة بهدف تعديل سياساته وإلزامه بالسير بتوجهات الحكم المالية.

وأعرب عدد من الوزراء عن استغرابهم للنبرة العالية تجاه الحاكم، التي سادت المناقشات، مشيرين إلى أن التوجه خلص إلى التريّث في هذا الملف الحساس والخطير. واعتبر هؤلاء أن النبرة العالية أوصلت الرسالة بشكل واضح إلى سلامة ومَن يقف خلفه لا سيما من الجهات الخارجية والأميركية تحديداً، ومفادها بأن لا خطوط حمر على أي شخصية.

وبرأي هؤلاء، فإنّ المواجهة بلغت ذروتها وبات اللعب على المكشوف وعلى حافة الهاوية المالية والاقتصادية في البلاد. أما إقالة سلامة، فلن تكون بالسهولة التي يراها المُنادون بها، بل ستُدخِل البلاد في أفق مجهول وتدفع نحو تعميق عزلة لبنان الدولية، نظراً إلى ما يمثّله حاكم المركزي لدى المؤسسات الدولية والرصيد الذي يتمتّع به بقطع النظر عن السياسات أو الهندسات المالية التي اعتمدها تحت عنوان حماية الاستقرار النقدي.

تدهور سوق القطع

وكانت سوق بيروت شهدت يوم الخميس (23 أبريل الحالي) تطوراً بارزاً خرج عن السياق الطبيعي لحركة العرض والطلب ضمن تداولات ضعيفة لا تتجاوز قيمتها اليومية 5 ملايين دولار، فسجّل سعر الدولار لدى الصرافين قفزات جنونية خلال ساعات ما بعد الظهر لامس بنتيجتها سقف الـ4 آلاف ليرة، فيما استمرت التعاملات الرسمية على سعر التثبيت المحدّد من المصرف المركزي على سقف 1515 ليرة.

وبدا للمتعاملين في السوق أن الارتفاع الجنوني لم يكن نتيجة حركة عرض وطلب، أو تهافت على العملة الخضراء، بل نتيجة تدخّل على خلفيات سياسية، أسهمت فيه أطراف نافذة في السلطة.

وعزّز هذا الانطباع في السوق، السلوك الذي بدأ يتجلّى عند القوى التي تدور في فلك محور تحالف أحزاب السلطة بقيادة “حزب الله”، إذ بدأت منذ ساعات الظهر الأولى وحتى المساء، تغريدات ومواقف عبر مواقع التواصل الاجتماعي الذي كان مسرحاً افتراضياً وإنما حيّاً، لحملة منظمة على حاكم المصرف المركزي، تحمّله مسؤولية الارتفاع الجنوني للدولار وتطالب بإقالته، بسبب سياساته وهندساته المالية وتخلّيه عن سياسة دعم العملة الوطنية والاستقرار النقدي.

ومعلوم أن المصرف المركزي خرج من سياسة الدفاع عن الليرة منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية، وتفجُّر أزمة شُحّ السيولة لدى المصارف الخاصة، ولديه على حدّ سواء، وتراجع احتياطاته من النقد الأجنبي. وهو وصل إلى هذا القرار بالتشاور والتنسيق مع السلطة السياسية على قاعدة استعمال ما تبقّى من الاحتياطات في محفظة المركزي لغايات تمويل الاستيراد.

 

وكانت الاحتياطات مقدرة في حينها بـ38 مليار دولار، قبل أن تتدحرج إلى مستويات حرجة ومقلقة تكفي بالكاد تأمين حاجات لبنان لاستيراد المواد الأساسية مثل النفط والدواء والقمح.

وعليه، توقّف “المركزي” عن التدخل في سوق القطع، مثبتاً السعر الرسمي على 1515 ليرة، مع ما رتّبه ذلك من قيام سوق ثانوية للصرافين، موازية للسوق الرسمية، أُتبعت بسوق سوداء ثالثة، غداة التعاميم الأخيرة للمركزي المتعلّقة بتحديد سعر جديد للسحوبات المحددة بسقوف معينة أو بفرض دفع التحويلات الخارجية بالليرة حصراً.

وكانت سياسة وقف دعم النقد الوطني لاقت قبولاً وتغطية غير مباشرة من الحكومة في الأسابيع القليلة الماضية، على الرغم من خسارة الليرة أكثر من 40 في المئة من قيمتها. وترافق ذلك مع قرار حكومي بإعلان تخلّف لبنان عن سداد التزاماته تجاه حمَلة سندات دين سيادية مصدَّرة بالعملة الأميركية، بذريعة عدم التفريط بما تبقّى من الاحتياط، والذهاب إلى مفاوضات مع الدائنين من أجل إعادة هيكلة الدين العام.

وفي حين كان يُفترض أن يترافق هذا القرار مع صدور قانون ينظّم العمليات المصرفية، لا سيما في ما يتعلّق بالسحوبات والتحويلات، بحيث تُفرض قيود على هذه العمليات لتنظيم حركة السيولة وتخفيف الضغط على العملة الوطنية، سقط مشروع القانون في مجلس الوزراء، وسحبه وزير المال غازي وزني من التداول، لتستمر الفوضى والاستنسابية في التحكّم بالتعاملات المصرفية، وتزيد شكاوى المودعين نتيجة الصعوبات الجمّة التي يواجهونها في سحوباتهم المقطّرة بمبالغ ضئيلة جداً تتراوح بين 100 و300 دولار أسبوعياً، تبعاً لحجم الوديعة، كذلك بالنسبة إلى تحويلاتهم الملحة إلى الخارج لزوم دفع أقساط جامعية أو سكنية أو استشفائية.

وأدى إسقاط مشروع “الكابيتال كونترول” إلى إعادة كرة تنظيم العمليات المصرفية إلى المصرف المركزي، إذ عمد الحاكم، إلى إصدار تعاميم تنظيمية كانت موضع استياء من جانب رئيس الحكومة الذي اتّهمه صراحةً بعدم التنسيق معه بشأنها. والجدير ذكره هو أن سلامة بات وحيداً على رأس الحاكمية في ظل شغور المجلس المركزي (الذي يتمتّع بصلاحية اتّخاذ القرارات وإصدار التعاميم)، وشغور لجنة الرقابة على المصارف.

 

وكانت الحملة على سلامة انطلقت الخميس، من اتّهامين وُجِها إليه، أولهما تفرّده بإصدار تعاميم تنظيمية، اعتبرت السلطة أنها تهدف إلى إضعاف الليرة وزيادة الضغوط عليها، فضلاً عن سحب الدولار النقدي من السوق والاحتفاظ به في المصرف المركزي لإعادة تعزيز احتياطاته الأجنبية.

وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن حجم التحويلات الخارجية إلى لبنان يتراوح سنوياً بين 1.5 و 1.8 مليار دولار. أما الاتهام الثاني، فيكمن في امتناع الحاكم عن الدفاع عن الليرة وتركها تنهار، الأمر الذي تعتبره الدائرة اللصيقة بالحُكم مقصوداً لإضعاف “حزب الله” وتضييق الخناق عليه بضغط أميركي.

وكان لافتاً كلام وزير المال غازي وزني أمس الخميس، عن أن المضاربة الحاصلة على الليرة سياسية بامتياز، وهي التي تؤدي إلى ارتفاع الدولار.

 

هل الإقالة ممكنة؟

وفي حين تؤكد المعلومات المتداولة في بيروت أن الحديث عن إطاحة سلامة لا يهدف فعلاً إلى إقالته، وإنما للضغط عليه من أجل أن يعود عن بعض القرارات التي اتّخذها وأدت ولا تزال تؤدي إلى تجفيف الدولارات من السوق، بالتالي إلى تضييق هامش التحرك لدى الحزب في السوق النقدية، بعيداً من الجهاز المصرفي، الأمر الذي يتيح له الالتفاف على العقوبات الأميركية.

التحويلات الخارجية بالليرة والدولارات إلى المركزي

وكان تعميم المصرف المركزي إلى شركات تحويل الأموال، قضى بأن يتم الدفع بالليرة وفق سعر السوق، منعاً لتكبيد العملاء خسائر في فروقات القطع بين السعر الرسمي المحدد من قِبَله للمصارف وهذه الشركات، إضافةً إلى تأمينات لاستمرار التدفقات النقدية من الخارج، بحيث لا تتوقف على خلفية هذا القرار، كما حصل سابقاً عندما كان العميل ملزم بقبض التحويل وفق السعر الرسمي وليس سعر السوق.

واستوضحت “اندبندنت عربية” رئيس مجلس إدارة إحدى أهم شركات لتحويل الأموال في لبنان حول آلية الدفع، فقال إن شركته “بدأت اعتباراً من يوم الجمعة الدفع بالليرة التزاماً بتعميم مصرف لبنان، على أساس سعر السوق”، كاشفاً عن أن “الشركة لا تزال تؤمّن شحن الدولار النقدي وتودعه المصرف المركزي لقاء القيمة عينها بالليرة”. وأشار إلى أن هذا الإجراء لا يعرّض العملاء لأي خسارة في تحويلاتهم.