استمع لاذاعتنا

حزب الله يدخل بيوت الضاحية مجدداً معلوماته عن أهلها

تزامناً مع غارات فتيان وشبان حركة “أمل” و”حزب الله” الليلية بدراجاتهم النارية على كثرة من أحياء بيروت، وعلى المتظاهرين والمعتصمين في ساحات وسط العاصمة، ومدينة صور في اليومين الماضيين، بدأ حزب الله بتجديد استمارات معلوماته (الداتا) عن السكان في معقله بضاحية بيروت الجنوبية.

سلام الأمن الشمولي
عناصر من حزب السلاح المقدس والحرب الدائمة، يجوبون أحياء ضاحيته، فيطرقون أبواب بيوت سكانها، حاملين استمارات لتدوين معلومات تفصيلية جديدة عنهم. وهذا ما كشفه وتناقل أخباره بعض من أولئك السكان على وسائل التواصل الاجتماعي. وحسب ما كتبت امرأة على صفحتها الفيسبوكية، يستهل طارقو الأبواب كلامهم قائلين لمن يفتح لهم:

– السلام عليكم ياحجي، أنا من حزب الله، لا تخافي، ناطور البناية معي هنا، عم نجمع معلومات عن سكان أحياء الضاحية، لنتعرّف عليهم.

ويبدو أن انتفاضة 17 تشرين الأول المستمرة، أقلقت قيادة حزب الله، وأيقظته من استكانته وطمأنينته، فأعادته إلى سلوكه القديم المستريب من قاعدته اللصيقة، عندما كان في تسعينات من القرن الماضي وبين العام 2005 والعام 2009 يكثر من إحصاء السكان في معقله وجمع المعلومات عنهم. وذلك ليس بهدف تخزينها لدى أجهزته الأمنية فحسب، بل لإشعار الناس أنهم مراقبون ويعيشون في حِماه وتحت مجهر أعينه الساهرة. وهكذا تصير تلك العيون لصيقة بهم، فيستبطنونها في وعيهم وذاكراتهم وحركاتهم وسكناتهم، وفي حلهم وترحالهم، كأنها ضميرهم الفردي والجمعي. ومن نافل القول إن هذا التمرين الأمني الكابوسي الوقع على الناس، يجعلهم يراقبون أنفسهم بأنفسهم، نسجاً على منوال ومثال شموليين، فاشي ونازي وستاليني وصدامي وأسدي شهير ومجرّب.

تمارين متباينة موحدة الهدف
وإذا كان ما فعلته فرق “الثورة المضادة” التي أغارت على جسر الرينغ وشارع مونو ووسط العاصمة وبعض مناطقها الأخرى، تهدف إلى ترهيب لبنانيي الانتفاضة المستمرة للشهر الثاني على التوالي، فإن عناصر من حركة “أمل” في حي سكني شيعي صغير خلف موقف بولمات صيدا – بيروت قرب جسر الكولا، أطلقوا ليل الإثنين – الثلاثاء رصاص بنادقهم الرشاشة في اتجاه أحياء الطريق الجديدة ترهيباً، ولإثارة شبان شوارعها، كعادتهم في أوقات الاحتقان الطائفي في 2007 – 2009. وسرعان ما استنفر عشرات من شبان تلك الأحياء، وبدأوا يجوبون الشوارع على دراجاتهم النارية متوترين حانقين. واستمروا ساعتين أو ثلاث على هذه الحال، حائرين لا يعلمون ماذا يفعلون.

وتمرين عناصر حزب الله الأمني على سكان الضاحية الجنوبية، لا يقل ترهيباً خفياً وطويل الأمد عن ترهيب فرق التخريب والتوتير الأهلي – الطائفي الآني والمتقطع في الأحياء الأخرى، “الغريبة” أو الخارجة عن السيطرة الأمنية المباشرة لحزب الله. فعناصر حزب الله يتصرفون بلباقة ولياقة “أهليتين” مع سكان محميتهم الأمنية اللصيقة، لطلب معلومات تفصيلية عنهم: الاسم، العائلة، وعدد افراد الأسرة، أو قاطني المنزل، طائفتهم، أماكان ولادتهم، أعمارهم، طبيعة أعمالهم، وظائفهم، سيارتهم وأرقامها، وأرقام هواتفهم الثابتة والمحمولة.

وقد تزامن هذا الإجراء مع تململ جموع من سكان الضاحية الجنوبية، ومشاركتهم في نشاطات الانتفاضة من تظاهرات واعتصامات، وسواها من مناقشات في مخيمات الاعتصام في وسط بيروت والنبطية وصور. وتعامل الحزب الأمني مع المحتجين من بيئه، يتكامل مع حملته لجمع المعلومات عن سكان محميته وتجديدها. فمعاناة جمهور الحزب المخنوقة من الأزمة الاقتصادية والمعيشية، ربما تفوق معاناة سواه من البيئات اللبنانية. وهو يقف سداً منيعاُ في وجه مشاركة بيئته في الاحتجاجات، ويريد خنق أصواتها وإعادتها إلى بيت طاعته الحديدي.
هذا وتشهد شوارع الضاحية كل ليلة، دوريات لفرق الحماية، بلباسهم الموحد، تجوب الأحياء توكيداً لسيطرة الحزب وحضوره الدائم.

وقد يتحجج أبواق حزب الله التلفزيونيون ومخبروه الصحافيون قائلين إن حزب المقاومة يقوم بإجراءات أمنية، تحسباً لأمر ما، أو لطمأنة بيئته بأنه حاضر لتأمين حمايتها الاجتماعي، في هذه الأزمة المعيشية الخانقة.

لكن تزامن تجديد قاعدة البيانات التي يملكها حزب الله، بالاستمارات الأمنية الجديدة، يهدف إلى إعلام أهل بيئته اللصيقة بأنهم مراقبون، وعليهم التنبه والتفكير مئات المرات قبل أن تسوّل لهم أنفسهم ورغباتهم وانهيار أوضاعهم المعيشية المشاركة في التظاهرات والاعتصامات “المشبوهة”.