استمع لاذاعتنا

دينامية الانتفاضة.. سيخسر حزب الله ولو ربح

تصل إلى وسط بيروت، صباح الثلاثاء 26 تشرين الثاني 2019، وأنت حائر إنْ كنت في جولة تفقدية فردية لساحات ثورة مستمرة، أم في زيارة وداعية. الفكرة الثانية تقلقك بمجرد أن تتبادر إلى ذهنك. لكن ما إنْ “تتسلل” إلى ساحة الشهداء من جهة البحر، ومع مرورك بين الخيم، وصولاً إلى ساحة اللعازارية، يتبدد القلق تدريجياً.

 تتقدم باتجاه ساحة رياض الصلح، وترى عشرات المنتفضين يضحكون. يتحدثون. يترقبون. وأطفال “يضيّفون” المارّة “الشوكولا”.

أصوات المآذن تمتزج مع أصوات مولدات كهربائية، ومع هدير طائرات حربية، مقاتلات العدو الإسرائيلي على الأرجح، تحلق في سماء بيروت.

تصل إلى ساحة رياض الصلح. تجدها خالية إلا من بضعة منتفضين يتناولون القهوة ويتحاورون داخل خيمهم. تمر لحظات قبل أن تلتفت خلفك، فتجد مواطنين آخرين قدموا ليتفقدوا مثلك ساحات الثورة. بعضهم يصطحب معه أطفاله.

يكاد يكون المشهد عادياً لولا الأحداث التي طرأت ليل الأحد الاثنين وليل الاثنين الثلاثاء في بيروت والجنوب. حين هاجم مناصرو حركة أمل وحزب الله المنتفضين، وحين اعتدوا على ممتلكات المدنيين في أحياء مجاورة لساحة الشهداء والرينغ.

ويمكن اعتباره مشهداً انكفائياً، لولا مظاهر الحماسة على وجوه زوار الساحات. وكأن المواطن المنتفض يريد أن يقول لمن أتى لترهيبه وقمعه وإخافته، إن الرسالة قد وصلت. لكنها لن تحبط عزيمته.

لعل هذا ما قصده أحد المنتفضين حين استبدل فعل “يسقط”، بصيغة المضارع، بفعل “سقط خوفنا” على أحد جدران وسط المدينة. ليقول: إن زمن الخوف ولّى، آن أوان المواجهة.

لا يمكن لأحد أن يتجاهل رسالة القمع. لكن لا يمكن أيضاً لمُرسِل الرسالة أن ينسى قواعد اللعبة في الصراع الاجتماعي. أولها تتمثل في أن القمع يزيد الثوار صلابة. أما في السياسة، فالإنكار وسياسة فرض الأمر الواقع والتضليل الإعلامي والكذب على الجمهور، والتلاعب به بواسطة تحريك العصبيات الطائفية، كلها أمور قد تخدم صاحبها على المدى القصير. أي ربما توفر له مكسباً محدوداً، في الوقت الذي تخلق فيه هذه الانتفاضة الشعبية اللبنانية دينامية تغييرية ثورية على المدى البعيد.

لذلك، سيخسر حزب الله ولو ربح. هذا ما يؤكده تاريخ الثورات في العالم. فالعراقيل التي يصر على وضعها أمام عملية تغيير المنظومة السياسية الزبائنية الفاسدة، تحت ذرائع مختلفة من ضمنها التآمر الغربي، ستفقد بسرعة مفعولها. بينما ستستعيد الانتفاضة أنفاسها وستجدد نفسها بأشكال سلمية مختلفة، طالما أن أسبابها وشروط اندلاعها لا تزال قائمة.

لن ينفع معها إذاً التهويل والترهيب والتهديد. ولن تؤدي هذه الممارسات إلى تراجعها أو إلى خفض سقفها. في المقابل، سيكون مخطئاً وساذجاً من يعتقد أنه قادر على فرض الحل السياسي الذي يلائمه. لأن الانتفاضة ستتغذى من الحلول التعسفية.