استمع لاذاعتنا

عيد الاستقلال كما أحياه اللبنانيون: تأسيس الجمهورية الثالثة

قدم اللبنانيون عرضهم الاستقلالي الأول. والذي يكاد يكون الأكثر حقيقية في التعبير عن هويتهم، في ما أظهروه بالساحات. ما يريده اللبنانيون هو دولتهم الحديثة الخارجة من كل الأطر المذهبية والطائفية والتبعية. وهم يستعيدون بذلك طموحاتهم وأحلامهم التي بددتها السلطات السياسية المتعاقبة. قد يصح في وصف الثورة اللبنانية أنها تأسيس الجمهورية الثالثة.

الحيلة والخداع
يثور اللبنانيون على صيغ فرّقتهم وشتتت شملهم. وجلّ ما يبحثون عنه هو دولة المواطنة التي تحققت شعبياً وتنتظر تحقيقها سياسياً ودستورياً. هذا الهدف هو الذي دفعهم الى التمسك بالثورة في مواجهة كل محاولات اختراقها أو إجهاضها. الثورة في الأصل خروج على منظومة توزيع الغنائم ونهب الدولة، خصوصاً كما تكرست منذ تسوية 2016، عبر تسليم الجميع لحزب الله بالسياسة والأمن والعسكر، مقابل انشغالهم بحصص الحكم ومكاسبه المتوزعة بين القوى المتحالفة، التي حوّلت الدولة إلى شركة فاسدة، وأخضعت الاقتصاد والقطاعات الانتاجية الاساسية من كهرباء ونفط وغيرها لمافيات سياسية.

لذلك، تتعاطى القوى السياسية مع الثورة على أنها تهديد مباشر لمصالحها. وأصحاب السلطة يجهدون إما للالتحاق بركبها بالحيلة والخداع، وإما يطمحون للسيطرة عليها وتجييرها لمصلحتهم، تماماً كما حدث أثناء انتخابات نقابة المحامين وبعدها، حين حاولت الأحزاب بعد فوز مرشح الثورة الإيحاء أنها هي التي انتخبته كي لا تظهر في موقع المهزوم.

دلالة انتخابات نقابة المحامين أنها جسدت التغيير القاعدي من جمهور المحامين ضد الهيمنة الحزبية على النقابة، وبتفاعل وتأثير مباشر من الشارع الملتهب، لا سيما أنه كان هناك مواجهة واضحة من قبل السلطة. واللافت هو نزول النقيب المنتخب إلى ساحة الشهداء. والدلالة الأكبر هي الهروب المبكر لمرشح التيار الوطني الحرّ. والأهم كيف عمدت أحزاب السلطة لتنحية خلافاتها السياسية لتتكتل سريعاً بمواجهة المرشح المستقل، ورأت الناس في هذا التحالف السلطوي، وحتى من قبل جمهور القوى السياسية، أنه تحالف كاذب. وهذا ما دفع المحامين الملتزمين حزبياً إلى عدم الالتزام بالتوجيهات وفق ما تقتضي مصالح زعمائهم.

الطابع الشامل للثورة
على مثال ما حدث في نقابة المحامين، وما يحدث يومياً في كل القطاعات والنقابات والمؤسسات، اكتسب المنتفضون زخماً جديداً، تجلى في عروض عيد الاستقلال المدنية. مشهد هائل، سيكون له تأثيرات سياسية في عملية تشكيل الحكومة وما يليها. ففي مقابل بقاء القوى السياسية في حالة نكرانها، والإصرار على إعادة إنتاج التركيبة ذاتها، بالاستناد إلى منطق القوة للحفاظ على الدولة الغنيمة، يبدو واضحاً أن الصراع يدور على مستويين. مستوى السلطة، التي تسعى إلى تحسين شروط التفاوض. ومستوى الناس ومطالبها، التي يتجاهلها المسؤولون بشكل تام. وهذا ذروة السلوك غير المسؤول من قبل الطبقة السياسية برمتها. أداء رديء سيدهور البلد إلى أزمة شديدة، لن يكون من السهل الخروج منها بسبب الرعونة السياسية. لا سيما أن علاج الأزمة المالية والاقتصادية القائمة لا يبدأ بالإجراءات الاقتصادية، بل من السياسة أولاً، عبر تشكيل حكومة متجانسة وكفوءة. ومن يؤخر العلاج السياسي يسهم في تفاقم الأزمة المالية.

تشمل هذه الثورة مختلف الطبقات الاجتماعية، بما في ذلك معظم رجال الأعمال الذين يتضررون من التعطيل والفوائد العالية والخلل الواقع في القطاع المصرفي، والنظام الريعي، ومن الارتفاع غير الطبيعي والمفتعل بقطاع العقارات والإيجارات..إلخ، ما يكرّس رفضاً مطلقاً  لسيطرة القوى السياسية ومنطقها الزبائني. وإذا ما تحركت القطاعات الاقتصادية الكبرى، فهي قادرة على التأثير على القوى السياسية. وقد بدأت تباشيرها وستستمر بفعل قوة الناس وكلمتهم.

الطبقات الوسطى المهنية تبدو أكثر تحركاً وتعبيراً، ومشاركة بالاحتجاجات. خصوصاً أن المعركة الكبرى، بالنسبة إلى الانتفاضة، تقوم على تغيير الوعي والتواصل بين الفئات الاجتماعية المختلفة، وإن كانت بحاجة بعد إلى مسار طويل. وأمام السلطة طريقان، إما أن تكون مرنة وتستجيب لمطالب الناس، وتوفر الكثير من المتاعب والتوتر والأزمات، أو أن تستمر على عنادها وتنكسر في النهاية. وما بينهما خيار الدفاع عن النفس وعن الدولة – الغنيمة، الذي قد يدفع إلى استخدام العنف، قد لا يؤسس لحرب أهلية، لكنه عنف مؤذ للانتفاضة ولمستقبل البلد.

التغيير حتماً
السلطة في أزمة عميقة. وقد تلجأ إلى اصطناع “توازن قوى” تتداخل فيه معطيات محلية وخارجية، لقمع الانتفاضة. وهي حتى لو نجحت السلطة في إحباط الانتفاضة، إلا أن الأزمة ستستمر بالتأكيد على نحو أسوأ، والانهيار الواقع سيكون أشد. وبالتالي، ستتجدد النقمات وسيعود الناس إلى الشوارع. ثم وعلى افتراض أن أهل السلطة متحالفون لتجديد سلطتهم، فإن الجشع فيما بينهم، وتناقض الولاءات الإقليمية لكل طرف، وعدم تجانسهم سيؤدي إلى انفجارهم من الداخل مجدداً. ما يعني أن مسار التغيير لن يتوقف.

إما أن تنجح الثورة في إجبار السلطة على تقديم التنازلات، ويبدأ التكيف مع الواقع الجديد الذي سيفسح المجال أمام التغيير التدريجي، أو أن أقطاب السلطة سيستمرون بالمعاندة، التي ستؤدي أيضاً- ولو بعد وقت- إلى تغيير حقيقي في بنية النظام وتركيبته وبأثمان باهظة.