استمع لاذاعتنا

لبنان اليوم: قبضة الثورة تطيح الثقة بين الرؤساء الثلاثة

المشهد الذي لا يزال منذ صباح يوم أمس يطغى على كل المشاهد المحلية، هو الاحتفال المدنيّ الأول بالاستقلال الـ76 للبنان. عرض مدنيّ جمع كل اللبنانيين بكل اختلافاتهم وأطيافهم تحت الارزة اللبنانية.

استقلال ثالث يسعى إليه الثوار، استقلال من المحسوبيات والاستنسابية وكل ما يتلخّص تحت عنوان “الفساد”. وقبضة الثورة التي أحرقت صباح أمس، عادت بعد ساعات قليلة إلى الساحة، لأن الثورة ليست شعارات ووعود كالتي اعتدنا سماعها من السلطة، إنما هي فكرة ترجمت إلى واقع وحقيقة لن تخمد نيرانها قبل تحقيق كل المطالب، وفي طليعتها تشكيل حكومة اخصائيين مستقلين.

وفي حين لا يزال البعض يبحث عن الأخصائيين المستقلين في مجرات أخرى، بدت لافتة الأفواج التي تتالت أمس في العرض المدنيّ من زراعيين وصناعيين وموسيقيين وأطباء وأساتذة ورياضيين وغيرها، إضافة إلى الأفواج التي كانت عصب الثورة طيلة الـ36 يوماً كفوج الطناجر وفوج “الهيلا هو” وفوج الأمهات وفوج الآباء والأطفال على وقع الأناشيد الثورية.

العرض العسكريّ في اليرزة لم يكن محطّ انظار في هذه المناسبة ككل عام، إنما ما هو ثابت هي التحليلات التي ترافقت مع اجتماع الرؤساء الثلاثة ككل عام. قراءة بسيطة للغة الجسد تفضح انسحاب الأزمة السياسية على العلاقة الشخصية بينهم، وهذا ما أكدته مصادر وزارية ومصادر أخرى حزبية في “المستقبل”.

فتور العلاقة يوحي بألا حلحلة حكومية قريبة في الأفق، وما يؤكد ذلك تراشق الاتهامات المستمر بين التيار الوطني الحرّ و”المستقبل”، خصوصاً مع تصريحات وزير الدفاع إلياس بو صعب من اليرزة وما تبعه من ردّ عنيف من مصدر في “المستقبل”.

من جهة أخرى، وعلى الرغم من عدم وضوح المواقف الدولية في العناوين الكبيرة من التطورات الحاصلة على الساحة اللبنانية، إلا أن الاجماع على ضرورة تشكيل حكومة بأسرع وقت تلبيّ مطالب اللبنانيين بدا واضحاً.

موسكو التي أملت نجاح الجهود، بما فيها مساعي رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الرامية إلى إيجاد حل سريع، لفتت إلى أن استمرار المراوحة يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار ولا مصلحة لأحد فيه.

من جهته، صوّب السفير الأميركي السابق لدى لبنان جيفري فيلتمان سهامه على حزب الله، اذ اعتبر ان سمعته تآكلت خلال الحراك الثوريّ، داعياً الإدارة الأميركية إلى الإفراج عن المساعدات العسكرية للقوى الأمنية اللبنانية لأن تجميدها يخدم الحزب.

إذاً، عملية التأليف، على ما يبدو، راوح مكانك ولا حلحلة أو أجواء إيجابية في الأفق. والاحتفال الرسمي بعيد الاستقلال أظهر فتوراً في العلاقة بين رئيسي الجمهورية ميشال عون والمجلس النيابي نبيه بري من جهة، والحريري من جهة أخرى، ما يؤكد، بحسب مصادر وزارية ومصادر أخرى حزبية في “المستقبل” أن تأزم العلاقة السياسية انسحب على العلاقة الشخصية على خلفية الفشل في التوصل إلى اتفاق سياسي لتكليف رئيس جديد للحكومة والتباين حول شكل الحكومة مع الحريري، وهو ما زاد التأزم السياسي بين الأطراف، بحسب ما ذكرت صحيفة “الشرق الأوسط”.

دولياً، رأت مصادر لبنانية مواكبة للقاء الممثل الخاص لرئيس روسيا الاتحادية في الشرق الأوسط وبلدان أفريقيا نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف والمبعوث الخاص للحريري في موسكو جورج شعبان، في تصريحات لـ”الشرق الأوسط”، أن القراءة الأولية للبيان تشير إلى أنه تصويب لموقف الوزير لافروف الذي اعتبر الأسبوع الماضي أن حكومة سياسية هي الحل الأفضل للبنان، وسط مخاوف من استغلال التحركات الاحتجاجية من قبل أطراف داخلية.

وقالت المصادر إن موسكو “يمكن أن تساعد لحل الأزمة الآن”، وذلك “من خلال التواصل مع الدول المعنية مثل فرنسا وبريطانيا وغيرها”، لكنها أوضحت أن الاتصالات “لا تزال حتى الآن في إطار التشاور، ولم يتبلور أي شيء بعد”.

وأشارت المصادر إلى أن الطرف الروسي “يؤيد استعجال التشكيل الحكومي لأن استمرار المراوحة يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار ولا مصلحة لأحد فيه، كون تداعياته لن تبقى محصورة في لبنان بل تؤثر على المنطقة”.

وشددت المصادر أن الجانب الروسي “يركز على الاستقرار، وهم يقدرون موقف الحريري، ويحضّون على تشكيل الحكومة بأسرع وقت للاستعجال في توفير الحلول للأزمة القائمة”.

وفي القراءة الأميركية للازمة، رأى فيلتمان أن سمعة حزب الله تآكلت خلال التظاهرات التي يشهدها لبنان معتبرا أن الحزب لم يعد نظيفاً لأنّه أصبح جزءاً من المشكلة السياسية في البلد.

وقال لـ”الشرق الأوسط”: “لقد رأينا واستمعنا إلى خطابات نصرالله، أربع خطابات طالب فيها المتظاهرين بالعودة إلى منازلهم لكنهم لم يعودوا، وعندما طلب من الشيعة مغادرة الطرقات، بعضهم استمع إليه لكن كثيرا منهم لم يعيروه أي اهتمام، وهذا أمر لم يشهده لبنان من قبل”.

ووصف التظاهرات بالملهمة، معتبراً أنها مختلفة عن تظاهرات الرابع عشر من آذار 2005 التي تم تسييسها بحسب قوله. وأضاف أن التظاهرات الحالية أسبابها إنسانية ومعيشية بحتة، ومن هنا تنبع قوتها. وأعرب عن أمله في أن تستمع الطبقة السياسية اللبنانية إلى دعوات المتظاهرين وتباشر بالإصلاحات المطلوبة ومكافحة الفساد والمحاسبة كي ينهض لبنان من أزمته الاقتصادية من خلال جذب المستثمرين.

ودعا فيلتمان الإدارة الأميركية إلى الإفراج عن المساعدات العسكرية للقوى الأمنية اللبنانية لأن تجميدها يخدم حزب الله والمصالح الروسية والإيرانية في لبنان. وحرص على الإشارة إلى أنه لا يمثل الرأي الرسمي الأميركي، وأنه يتحدث بصفة خبير فحسب.