استمع لاذاعتنا

مرج بسري: معركة الثورة لانقاذ جمال لبنان وبيئته

 سانحة الثورة أعادت مشروع “سد بسري” إلى الواجهة، كواحد من أخطر نتائج وتبعات الفساد العام، فتدمير منطقة وتشويه معالمها الطبيعية والتراثية والثقافية، لصالح منشآت خرسانية، لا يمكن فصله عن مسار الفساد إياه، خصوصا وأن هناك جملة من المعطيات العلمية خلصت جميعها إلى أن مشاريع السدود السطحية في لبنان غير ذي جدوى، ومخاطرها وأضرارها أكبر بكثير من فوائدها، فيما مصادر المياه الجوفية تكفي لسد العجز المائي، فضلا عن أن لبنان عموماً لا يعاني مشكلة مياه بقدر ما يواجه فسادا آخر لجهة سوء إدارة ثروته المائية.

هذا الجانب العلمي والتقني، سبق وأن كان موضع متابعة في “المدن”، إلا أن اليوم، يرى الناشطون والمواطنون، فضلا عن الأهالي المتضررين من سيف الاستملاكات لصالح السد، أن ثمة فرصة وإمكانية لوقف هذا المشروع، ومن باب مكافحة الفساد أيضاً، بالرغم من استحالة هذا الأمر نظراً لكثرة المستفيدين من رشى وتلزيمات ودراسات، بينهم من هم في أعلى المواقع. ومن هنا، تحولت منطقة مرج بسري إلى ساحة من ساحات الثورة، إلا أن ذلك لم يرق للسلطة والمنتفعين، فكان إيعاز للجهات الأمنية لملاحقة الناشطين، فضلا عن تلقي تهديدات تطاول من هم في صلب هذا الحراك.

جريمة بيئية
في هذا السياق، جرى استدعاء بعض الناشطين والمواطنين إلى مخفر مزرعة الضهر (الشوف الأعلى) للتحقيق معهم، يوم الإثنين المقبل، بشكوى مقدمة من متعهد المشروع على خلفية نشاطهم وتحركهم الأخير، ورفضهم لما وصفوه بـ”جريمة بيئية” تستهدف منطقة بسري، لافتين إلى أن مشروع السد من شأنه تدمير هذا المرج الغني بيئياً وتراثياً وثقافياً.

وتوالت منذ يومين الدعوات للتضامن مع الناشطين المسطرة بحقهم مذكرات جلب واستدعاء، وهم: الممثل وسام حنا، عامر مشموشي، بول أبي راشد، الدكتور أجود العياش، كلود حبيب وأماني بعيني، لكن إلى الآن لم يقرر هؤلاء ما إذا كانوا سيتوجهون إلى المخفر، بانتظار التوافق على خطة للمواجهة، خصوصاً وأن ثمة تنسيقاً مع محامين في هذا المجال.

نصور: بلطجة
وفي حديث لـ “المدن” استنكر منسق “الحملة الوطنية للحفاظ على مرج بسري” رولان نصور “استدعاء مجموعة الناشطين إلى المخفر بعد الشكوى المقدمة من قبل شركة داني خوري، بذريعة فتح بوابة مشروع السد عنوة وإزالة ثلاث لافتات، أولها على مدخل المشروع وتخص مجلس الإنماء والإعمار والبنك الدولي، الثانية على طريق مار موسى، والثالثة لافتة كتب عليها ممنوع الدخول كانت موضوعة عند مدخل المشروع”.

ولفت إلى “اننا سنصدر بياناً بهذا الشأن نوضح فيه كل الملابسات”، وقال: “مجلس الإنماء والإعمار يخالف القانون، وهو مجرم بحق بيئة هذه المنطقة واقتصادها. فهذا المشروع ستترتب عليه ديون تقدر حتى الآن بـ 1.2 مليار دولار، لن يتحمل تبعاتها إلا الشعب اللبناني، فضلاً عن مخالفة صريحة لدراسة الأثر البيئي”.

واستغرب نصور أنه “حيال كل هذه الجرائم التي اقترفها مجلس الإنماء والإعمار يتم التركيز على البوابة واللافتات، وهذا أمر يعكس “بلطجة” يمارسها هذا المجلس، ونحن بصدد تقديم شكوى للنيابة العامة، بخصوص مخالفات ارتكبها هذا المجلس.

تهديدات بالجملة
تجدر الإشارة إلى أن الناشطين أقاموا مخيماً دائماً يؤمه مواطنون من كل المناطق، ويخيمون فيه. ويشهد فعاليات يومية على غرار ما هو قائم في الساحات العامة. وأشار نصور إلى أنه “تم إخراج ثلاث آليات من الموقع حتى الآن، تحت ضغط الحراك الذي بادرنا إليه”، مؤكداً أن “هناك خطوات تصعيدية ستستمر حتى إخراج كل الآليات وبشكل نهائي”، وقال: “أكدنا أن المطلوب أيضا إزالة سائر المنشآت، من مكاتب للعمال والموظفين وقواعد إسمنتية، ولن نغادر حتى إلغاء هذا المشروع الكارثي وصولا إلى إعلان مرج بسري محمية طبيعية”.

ورأى نصور “ألا فرق بين مرج بسري وباقي ساحات الوطن التي يتظاهر فيها الثوار ويرابطون فيها”، وأكد “مواصلة الحراك مع توافد المواطنين إلى المرج بسري، وقد افتتح هذا بشكل نهائي”، لافتاً إلى أن “الموقع لم يعد ساحة نضال فحسب، بل محطة لممارسة رياضة المشي والتمتع بالطبيعة الرائعة وأي محاولة لإخراجنا بالقوة ستواجه من قبلنا وبشكل سلمي”.

وأشار إلى أنه “بلغتنا تهديدات بالجملة وبشكل مستمر، ومنها من مهندس تابع للمقاول داني خوري واسمه علي كجك، وهدد بالإعتداء الجسدي، وقال “بدو يسترزق” متوعدا بأنه سيدخل بالجرافات لإزالة المرج والأشجار وكل الناشطين”، وأكد نصور “لن نخضع للتهديدات. وصعدنا على طريق مار موسى بإزالة الحواجز يوم الأحد الماضي، ومستمرون بالتحركات بمناسبة يوم الاستقلال حيث سيكون هناك تجمع وطني في المرج، للتعرف على المحمية بعد تحريرها من سلطة مجلس الإنماء والإعمار”.

وشهد المرج العديدة من الأنشطة، ومن بينها زرع 50 غرسة قبل أسبوع، فضلا عن زراعة أشجار بأسماء شهداء الثورة في لبنان.

عساف: استعادة أراضينا
الطالبة الجامعية كريستيان عساف من بلدة المرج قال لـ”المدن”: “نحن هنا كل يوم، ونسهر حتى طلوع الفجر مع المعتصمين، بعد أن فتحنا كل الطرق من أجل أن يتعرف المواطنون على المنطقة، وليعلموا أن أراضينا خصبة للغاية وتنتج الحمضيات على أنواعها، ونحن ثاني أكبر منتج للحمضيات بعد صيدا، بالإضافة إلى محصول الفريز الذي يصدر الفائض في الأسواق المحلية إلى تركيا، فضلا عن الجوز والزيتون والصنوبر والأفوكادو وكل أنواع الأشجار المثمرة، والفاصولياء وغيرها من المنتجات الزراعية ذات الجودة والنوعية العالية، ومصدر مياه لري الأراضي هو النهر الذي يريدون حرماننا منه بسبب السد”.

وأشارت إلى أن “40 بالمئة من مياه السد والتي من المفترض أن تصل إلى بيروت ليشرب منها السكان من نهر بسري، بينما 60 بالمئة منها من سد القرعون، حيث يلتقي مصدرا المياه في محطة التكرير في صيدا، وهناك سيتم تكريرها، إلا أن مياه سد القرعون ملوثة بالسيانوبكتيريا السامة (نوع من الطحالب) ولن تستطيع محطة التكرير التخلص منها”.

وأضافت عساف: “معظم أراضينا تم استملاكها بالقوة، وحفروا فيها واقتلعوا الأشجار المعمرة وأنشأوا طرقا، وقد حصل الاستملاك في العام 2015 فنحن لا نبيع أرضنا، وقد سُعر المتر الواحد بين 25 و30 ألف ليرة، ولكننا رفضنا هذا الأمر وتقدمنا بشكاوى لمحاكم الاستئناف والتمييز، وقررنا استرجاعها، فنحن لم نستلم الأموال، ولا زالت لدى مجلس الإنماء والإعمار، وهناك بعض الأشخاص قبضوا قيمة أراضيهم، خصوصاً وأنهم لا يستثمرون بها وحتى لا يعرفون مكانها، بالمقابل نحن عائلة مكونة من 7 أشخاص نعتاش من أرضنا، وإن أرادوها ليعطونا بدلا منها أراض نستطيع استثمارها لنعيش”.

وأسفت لأن “القضاء كان ضدنا وهو كان مجبرا على هذا الأمر، أما نواب المنطقة وخصوصاً زياد أسود وأمل أبو زيد فاستهتروا بعددنا، (كلكم 10 أشخاص)، هذا ما قاله نوابنا”، واستدركت أن “النائب ابراهيم عازار تجاوب معنا وطالب وقدم استشارات في المجلس النيابي لكن من دون جدوى، وبالإجمال فنواب المنطقة (مش عالسمع)”، لافتة إلى أن “بلدة مرج بسري لا توجد فيها بلدية، وهناك مختار وعدد السكان حوالى 500 نسمة”.

واستغربت عساف “موقف مطران صيدا للموارنة وموافقته على نقل كنيسة مار موسى التاريخية إلى مزرعة الضهر، وقد رصد لهذا الأمر مليون دولار، فحتى الكنيسة غائبة عن السمع”.

بولس: خربوا الطبيعة
أما مختار بسري السابق منذ العام 2000 إلى 2016 شفيق بولس فيعرف عن نفسه بـ “العاطل عن العمل والختيار الثمانيني”، قال لـ”المدن”: “هذا السد خرب إحدى أجمل مناطق لبنان الممتدة من باتر الشوف إلى منطقة الأولي، وكل هذه المنطقة لم تخسر الأراضي فحسب، بل هي معرضة للخطر أيضاً، وهناك آثار كثيرة في بسري منها كنيسة مار موسى والقلعة الرومانية الأثرية بين ملتقى النهرين والباروك وجزين، وعدد من النواويس وكنيسة سيدة بسري العجائبية، وهي كانت محطة في رحلة سيدنا يسوع المسيح”، لافتا إلى أن “هناك شلالات أيضا ومناظر طبيعية خلابة وأشجارا معمرة من كافة الأنواع”.

وأشار بولس إلى أن “أراضينا تحت السد ولا نستفيد منه، بل معرضون لخطر الزلازل”، لافتًا إلى أن “هناك 225 مليون متر مكعب نراها ولا نستفيد منها، لدينا ينابيع وأراض خصبة ويأتون ليقطعوا عنا المياه”.