استمع لاذاعتنا

مكائد تحاك للثوار.. لوائح المطلوبين جاهزة بانتظار الإشكالات المفتعلة

“يوم هاجم مناصرو “أمل” المتظاهرين، أخبرني أحدهم أنه حمل عصاً واستعدّ للدفاع عن نفسه ومواجهة المعتدين، فاقترب منه أحد عناصر الجيش ودفعه إلى الخلف باتجاه منطقة الجميزة طالباً منه ألا يقوم بأية ردة فعل، قائلاً له: أُعدّت لوائح بأسمائكم بانتظار حجة لاعتقالكم”. هذه الرواية كانت لتمرّ مرور الكرام وتُنسى لولا أنّ الاعتقالات التي تكرّرت بأساليب وأوقات مختلفة تطرح شكوكاً حول استهداف القوى الأمنية لمتظاهرين محدّدين دون سواهم. إما في ساحات الاعتصام وإما وهم عائدون منها. وعزّز الإشكال الذي وقع مساء الثلثاء الفائت في ساحة رياض الصلح هذه الفرضية لدى المنتفضين. حيث اتهم شهود على الإشكال القوى الأمنية بتعمّد استهداف ثوّار محددين وتجاهل مفتعل الإشكال الذي قدم الذريعة للقوى الأمنية لتضرب وتعتقل. فهل فعلاً هناك لوائح بأسماء متظاهرين تنوي الأجهزة اعتقالهم لـ”تأديبهم” وجعلهم عبرة لغيرهم أم أنها حوادث “عرضية”؟.

يؤكّد العديد من الثوّار ومحامون أن الاعتقالات التي تقوم بها مخابرات الجيش تتمّ وفق لوائح معدّة مسبقاً، أمّا تلك التي تقوم بها قوى الأمن الداخلي فتحتمل الوجهين. فلدى وقوع الإشكال، قد تعتقل قوى الأمن أولئك الذين لا يهربون ظناً منهم بأنهم لن يعتقلوا لعدم ارتكابهم أي جرم، حتى وإن لم يعتدوا عليها، وفق متظاهرين. أما الأكثر عرضة للاعتقال فهم الذين يرفعون الصوت في الساحات ويهتفون على مكبرات الصوت ويحضرون دوماً في الساحات.

ويقول المحامي واصف الحركة، من المرصد الشعبي لمحاربة الفساد، لـ”نداء الوطن” إن “هناك أشخاصاً من الواضح أن القوى الأمنية كانت بانتظار ذريعة لاعتقالهم، كما حصل في رياض الصلح عندما رمى أحدهم عبوة فدخل عدد كبير من عناصر مكافحة الشغب إلى الساحة وتوجهوا نحو أشخاص محددين، فاعتدى ستة عناصر على طارق سرحان الذي كان داخل خيمة، واعتقلوه”. ويشير الحركة إلى اعتقال مخابرات الجيش لأشخاص محددين بعد خروجهم من التظاهرات. ويوضح: “لا يحق لمخابرات الجيش اعتقال متظاهرين وهم خارجون من التظاهرات. حتى وإن اعتدى أحدهم على الجيش خلال التظاهر، فهذه مهمة قوى الأمن الداخلي. ما يحصل خطير، إذ تقترب سيارات من المتظاهرين وينزل منها أشخاص بزيّ مدني ويعتقلونهم من دون الإبلاغ عن ذلك ولا السماح لهم بالاتصال بأحد. هذا الاعتقال إضافة لكونه غير قانوني تقوم به جهة غير مخوّلة بذلك”. ويلفت إلى أن “مخابرات الجيش تستدعي الناس إلى المحكمة العسكرية من دون إشارة من مفوض الحكومة لديها، وتبقيهم 24 ساعة رهن الاعتقال من دون علم المفوض أو إذنه”. وفي حين ذكر ثوار أوقفتهم مخابرات الجيش بأنهم شتموا رئيس الجمهورية، يؤكد الحركة أن نصّ القانون واضح “والنيابات العامة الإستئنافية هي المعنية بالتحرك عند شتم الرئيس، لا الجيش”.

ووفق الحركة، “يبدو أن هناك قائمة بأسماء محددة، لكننا لا نعرف حجمها وأسبابها ولا ندري إن كان هناك من أهداف أعمق. فما هو واضح حالياً أنه تجري ملاحقة الذين يهتفون ويشتمون، ولم يعتقل اشخاص تعتبرهم السلطة محرِكين، بل أشخاصاً مؤثرين في لحظة محددة. فهل يحاولون التعرض لأشخاص يعتبرونهم محركين أساسيين؟ حتى الآن لم يتضح الأمر”. ويرى أنه “في حال كان الهدف من التوقيفات التعرض لأشخاص أساسيين في الثورة نكون قد اتجهنا إلى مرحلة خطرة. فحتى الآن ظاهرياً لا استهداف لكن لا ندري الهدف المخفي”.

خلدون جابر

وكان المواطن خلدون جابر قد خطف، في 13 من الشهر الحالي، من بين المتظاهرين على الطريق المؤدية إلى القصر الجمهوري من قبل أشخاص بلباس مدني اتضح في ما بعد أنهم من مخابرات الجيش. فالعناصر اختاروا جابر دون سواه، واستدرجوه إلى خارج التظاهرة. وبعد الحادثة بيومين اعتقلت الجهة نفسها علي بصل وسامر مازح في منطقة الجميزة، بعد خروجهم من التظاهرة على جسر الرينغ. وفي 19 من الجاري، اعتقل الجيش في صيدا، محمد السن الملقب بـ”دي جاي الثورة” بحجة العثور على إطارات في سيارته. وتكررت في أكثر من مكان وبشكل متفرق الاعتقالات المشابهة.

يقول جابر لـ”نداء الوطن” أنه يوم اعتقاله كان يهتف لفترة طويلة على الطريق المؤدية إلى القصر، وتعرّض بعد خطفه إلى الضرب والتعنيف. ويروي أن المحققين سألوه إن كان هناك من جهة تحرّك المتظاهرين وكيف يؤمّن هؤلاء طعامهم، وكم يملك من المال في حوزته. ووفق جابر فإن وجوده الدائم في الساحات كان أحد أسباب اعتقاله، “قالوا لي بالحرف: مش عم تقفي نهار، من مطرح لمطرح”. ويبدو من كلام جابر أن الأسباب الشخصية قد تكون دافعاً أيضاً للإعتقال، “كنت قد أوصلت رسالة عبر مكبر الصوت إلى العقيد جان غنطوس، بعد أن توجّه للثائرات بحركات بذيئة، فاعتبر رسالتي إهانة شخصية. كذلك عرض المحققون تغريدات كتبتها على تويتر، معتبرين أني أحرّض الناس على التظاهر”.

إذاً، تظهر الحوادث المتكررة والشهادات أن القوى الأمنية تتعمد اعتقال أشخاص دون سواهم من بين الحشود. فمتى ستلتزم هذه القوى بالقانون المكلفة بالحرص على تطبيقه، وستتوقف عن تجاوزه واعتقال المتظاهرين من دون وجه حق. ومتى سيقوم القيمون على هذه القوى بتثقيف عناصرها وإطلاعهم على القوانين وكذلك على حقوق المتظاهرين كي لا تكرر مظاهر إنتهاكها وكي تعود للقوى الأمنية هيبتها، وتحافظ على شرعية مصدرها الشعب لا السلطة الفاسدة. فالقوى الأمنية من الشعب وثورته ثورتها من أجل عيشة كريمة لها وله.