استمع لاذاعتنا

نصرالله وقميص المقاومة الفارسي

أردفت مرات في جريدتي العربي والكرامة القاهرتين، الناصريتين، اسمه بـ”رضي الله عنه”، بالتزامن مع العدوان الإسرائيلي على لبنان 2006، وبالتوازي كانت كتاباتي تطارد دعم نظام مبارك لمنافسيه اللبنانيين، وتسببت إحداها في جدل مصري داخلي، منه مطالبة الصحافي الوفدي الراحل، مجدي مهنا، عام 2008، مرتين في المصري اليوم، الحكومة إما بتكذيبي أو الإقرار بخطأ تدريبها عناصر “معادية” لحزب الله والتوقف عن ذلك والاعتذار. كان السياق العام في مصر مع “المقاومة”، متجاهلا الانتقادات الموجهة للحزب.. تمويلا وسلاحا واجتياحا لبيروت في 7 مايو 2008.

بدأت صورة حسن نصرالله “المقاوم العربي” تُخدش مع انكشاف زرع خلية له في مصر، وتجنيد عناصر تُهرب، مع الأسلحة، إلى غزة للانضمام لحركة صابرين الشيعية عام 2005، ضمن أنشطة الوحدة “1800” المكلفة بالعمليات الخارجية للحزب تحت إشراف قاسم سليماني، وضُبطت الخلية نوفمبر 2008، وأقر نصرالله بتبعيتها له زاعما أنها لـ”خدمة المقاومة الفلسطينية لوجستيا”. ثم مخاطبته للجيش المصري وتحريضه للانقلاب على نظام مبارك وخلفهُ علم حزبه عام 2010.. وتلقيه رسائل انتقاد من شخصيات مصرية داعمة للمقاومة، منها حسنين هيكل وحمدين صباحي، عن تصرفه الأخير. ثالثة الخدوش كانت انتهاكه للسيادة الوطنية وإرساله “مقاتليه” لإخراج عنصره محمد يوسف منصور من سجن وادي النطرون بقيادة كادر إيراني من فيلق القدس، خلال 25 يناير، وظهوره بعد أسبوعين في قناة “المنار” ملوحا بعلم الحزب، ليمنح خصوم ثورة يناير ورقة للهجوم عليها.

كنت مخدوعا، كما كثيرين، في “القميص العروبي” المنسوب إليه، واعتبرتها ضمن ارتباكات قطاع من القوميين حرمهم التراكم التاريخي لبلدانهم من الوعي بدلالة “الدولة” لدى المصريين.

الصدع الأول في صورة نصرالله جاء مع تحركه كحليف للحوثيين، وشرخها تباهيه مرارا بتبعيته لقائد “دولة أجنبية”، هذا هو التوصيف التقني.. “أجنبية”. تباه لا تغفره طبيعة الموزاييك اللبناني والتداخلات التي صاحبت دولته منذ تأسيسها، أقله أنه عميل لسفارة “أجنبية” مثل الذين يتهمهم بذلك من منافسيه المحليين، ومعهم نشطاء ثورة الأرز المستمرة، دون أن تثبت عليهم التهمة بـ”سيد الأدلة”، الاعتراف.

يتمترس نصرالله خلف قميص المقاومة واستهداف سلاحها، ومن أجلهما تغاضى معظم مؤيديه، من خارج الطائفة، عن شبهات علاقته بطهران. وفصل قطاع من مؤيديه العرب بينه وبين السلوك الإيراني كرامة للشعار، الذي كان لعبة فارسية من البداية.

لعبة لن تخفيها تناقضات علاقة “سيدنا خامنئي”، حسب تعبير نصرالله، بالشيطان الأكبر، فقد “استثمر النظام الإيراني منذ التسعينات في علاقة حسنة مع الولايات المتحدة”.

وقد ساعدها في الحرب على العراق سنة 1991. و”نال ثناءها على تجاهله الانتفاضة الشعبيّة في جنوب العراق. تكيّف مع متغيّرات البيت الأبيض عبر العقود، صبر على بوش وتعامل بحسن نيّة مع خطابه الشهير في 2002 عن محور الشرّ، رغم التنسيق بينهما، عبر وسطاء، حول أفغانستان”، كما مفردات أسعد أبوخليل حليف حزب الله، في الأخبار اللبنانية، السبت 2 مارس 2019. الذي ينقل عن كنيث بولاك، مدير شؤون الخليج العربي في مجلس الأمن القومي بواشنطن، تأكيده في كتابه “الأحجية الفارسيّة: الصراع بين إيران وأميركا”، أن إيران تعاونت أيضا مع أميركا في العراق بعد غزو 2003.

العلاقة مع واشنطن هي الهدف، والمقاومة منذ البداية مجرد كرة للعب بينهما، والملعب هو الخارطة العربية يتنازعها الشيطان الأكبر وذراعه الإسرائيلية مع ملالي الفرس. نكمل مع مقال حليف حزب الله.. “شعر النظام الإيراني بخطر أميركي إسرائيلي وشيك بعد خطبة بوش ‘المهمّة أُنجزت’ مايو 2003. بعد أيّام تقدّم في مشروع شامل ورسمي (غير مُعلن) باقتراحات لتحسين العلاقات مع واشنطن، أعدّ صادق خرازي مسودّتها وراجعها محمد جواد ظريف (كان سفيرا في الأمم المتحدة آنذاك) وأقرها المُرشد الأعلى، وحملها سفير سويسرا في طهران إلى واشنطن”.

تفاصيل العرض كشفها أميركي من أصل إيراني، تريتا بارزي، أو ترسا بارسي كما ترجم اسمه أسعد. يقول بارزي في كتابه “خسارة عدوّ: أوباما إيران وانتصار الدبلوماسيّة” الصادر عن جامعة “ييل” الأميركية 15 أغسطس 2017، وترجمته الدار العربية – ناشرون بعدها بشهور “إيران وضعت كل أوراقها على الطاولة”.

ما لم يقله مباشرة أن “جل” أوراقها عربية! “وقف دعم حماس والجهاد، والضغط عليهما لوقف الهجمات على إسرائيل”.. و”قبول المشروع العربي للسلام”.. “نزع سلاح حزب الله وتحويله إلى حزب سياسي محض”.. “فتح المنشآت النووية كاملة أمام التفتيش والتوقيع على الملحق الإضافي لمعاهدة منع انتشاره”. والمقابل “علاقة طويلة المدى مع أميركا ورفع العقوبات واحترام سيادة إيران، والإقرار بها كقوة إقليمية”.

رفض بوش الصفقة وفق بارزي، الذي يترأس “المجلس الأميركي الإيراني الوطني”، ووصفه أسعد بـ”أصدح داعية سلام بين الطرفين، ولعب دورا في ترطيب علاقاتهما”. بارزي الذي نال الدكتوراه من جامعة جونز هوبكنز عن “التحالف الغادر: التواصل السرّي بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة”، ربطته علاقة جيدة مع جواد ظريف، لهذا السبب أتى الأخير وزيرا لخارجية طهران أغسطس 2013، لإنجاز الصفقة وأتم جزءا منها مع الاتفاق النووي عام 2015، بفضل اتصال عمان مباشرة مع المرشد كما يكشف بارزي.

بقي الأهم “احترام سيادة إيران ودورها كقوة إقليمية”. يقول بارزي، الذي صنفه كاتب أميركي رأسا لـ”اللوبي الإيراني” في واشنطن، فقاضاه، إن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما اعتبر أن “الشرق الأوسط غير قابل للإصلاح، وكلما تفاعلت الولايات المتّحدة مع مشكلاته، زادت سوءا، وتحمّلت لوما أكبر”، وأن “لإيران دورا مهما ينبغي أن تلعبه في المنطقة”، وأنه أعجب بـ”براغماتية قادتها، وكان على قناعة بأنهم واقعيون وعقلانيون ويسعون خلف مصالحهم وتوسيع تأثيرهم”.

دورها الإقليمي لم يرفضه أوباما حسب بارزي، وهو يؤكد أن “المباحثات بين الجانبين لم تقتصر على الشأن النووي والعقوبات، بل تعدتها إلى قضايا أخرى ساخنة في المنطقة”.

كانت طهران تنتظر فوز هيلاري كلينتون بالرئاسة لتكتمل الصفقة، والآن تنتظر هزيمة دونالد ترامب في الانتخابات القادمة. لهذا رفض المرشد استقالة ظريف في 25 فبراير الماضي، فدوره لم ينته.

ولهذا، كما كشفت رويترز في 25 نوفمبر الماضي، أمر بالرد على تغليظ البيت الأبيض للعقوبات بضرب منشأة عربية على أرض عربية! “بشرط ألا يصاب مدني أو عسكري أميركي”، فهو لا يرانا سوى أوراق لعب.. دولا ومقاومة، هو محورها الإقليمي. بداهة طهران لن تكون قوة إقليمية في مواجهة “العدو الصهيوني”، فالصفقة عمليا معروضة عليها، وليست ضد تركيا، وإنما على مقدرات أمة نافستها وحاربتها تاريخيا.

ألم يكن نصرالله يعلم بالصفقة المعروضة منذ 16 عاما، والتي تلتزم حرفيا بـ”نزع سلاح المقاومة والاعتراف بالعدو الصهيوني”! ماذا بعد صدور كتاب بارزي! والرجل قارئ نهم وجهازه المعاون يتابع كل ما ينشر أو يمس الحزب. الأمر لا يحتاج لكتاب، فالسياق واضح، لم يكن مقاومة، كان ومازال كيانا وظيفيا فارسيا.