
عناصر من الجيش اللبناني
ترسم الأجواء السياسية والدبلوماسية المحيطة بلبنان صورة تميل، نظرياً، إلى التهدئة وضبط التصعيد، في ظل تحرّك تقوده دول صديقة للبنان بهدف خفض منسوب التوتر ومنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة. غير أنّ تحويل هذا المناخ الإيجابي إلى واقع ملموس يبقى مرهوناً، وفق مصادر رسمية، بمدى التزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها وتهديداتها المتواصلة التي تُبقي البلاد في دائرة الاحتمالات المفتوحة.
داخلياً، طوى المشهد السياسي ما عُرف بـ«زوبعة النصاب» التي أثيرت حول الجلسة التشريعية الأخيرة، من دون أن تخلّف تداعيات تُذكر، باستثناء موقف تصعيدي عبّرت عنه «القوات اللبنانية». في المقابل، شدّد رئيس مجلس النواب نبيه بري على أهمية انعقاد الجلسة، معتبراً أنّها سمحت بإقرار قوانين «كانت أكثر من ضرورية»، ولافتاً إلى الدور الإيجابي الذي تلعبه مصر في تجنيب لبنان أي تصعيد، ومؤكداً أنّ رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي لم يحمل أي رسائل تحذيرية خلال زيارته بيروت.
وفي وقت تنصبّ فيه الجهود الرسمية والأمنية على تمرير فترة عيدي الميلاد ورأس السنة بأقصى درجات الاستقرار، تبقى الأولوية الأساسية للدولة اللبنانية هي البحث عن مخارج جدّية للأزمة، وخصوصاً في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتراكم آثارها التدميرية. وفي هذا الإطار، تتكثف الاتصالات مع العواصم المؤثرة، ويتقاطع الحراك الدبلوماسي مع اجتماع باريس الأخير، والحضور المصري المتزايد، إضافة إلى اجتماع لجنة «الميكانيزم» في الناقورة.
وتشير مصادر رسمية إلى أنّ القاسم المشترك بين هذه التحركات هو استبعاد خيار الحرب في المرحلة الراهنة، معتبرة أنّ الأجواء «مشجعة» وتحمل مؤشرات تفاؤل بإمكانية تحقيق اختراقات إيجابية في المدى المنظور. وتلفت المصادر إلى وجود تفهّم دولي واضح للموقف اللبناني، لا سيما في ما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، بالتوازي مع إجماع على ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية والالتزام باتفاق وقف الأعمال الحربية، وتمكين الجيش اللبناني من أداء مهامه من دون عوائق. كما رأت في الاتفاق على عقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني خطوة تصبّ في اتجاه تعزيز الاستقرار.
ويكتسب اجتماع لجنة «الميكانيزم» أهمية خاصة، سواء لناحية النقاش الجدي الذي يدور في أروقته، أو لناحية الدفع الدولي الواضح للوصول إلى حالة من الهدوء والأمن المستدام ضمن مهلة زمنية عاجلة. ولاحظت مصادر متابعة أنّ الاجتماع الأخير عُقد في أجواء هادئة، خلافاً لما كان يحدث سابقاً، حيث كانت إسرائيل تواكبه بتصعيد ميداني، مرجّحة أن يكون ذلك نتيجة ضغوط مارسها رعاة اللجنة.
وفي موقف لافت، دعا مرجع سياسي إلى التريّث في إطلاق الأحكام الإيجابية، قائلاً: «ما تقول فول ليصير بالمكيول»، مؤكداً أنّ مهمة الوفد اللبناني محصورة بتحقيق الثوابت الوطنية، وفي مقدّمها وقف الاعتداءات، الانسحاب من الأراضي اللبنانية، وإطلاق الأسرى، نافياً أي بحث في ملفات أخرى كالشراكة الاقتصادية.
من جهتها، أكدت السفارة الأميركية في بيروت، في بيان، أنّ اجتماع اللجنة التقنية العسكرية في الناقورة يهدف إلى دعم الاستقرار والتوصل إلى وقف دائم للأعمال العدائية، مع التركيز على تعزيز قدرات الجيش اللبناني، وتهيئة الظروف لعودة السكان، ودفع جهود إعادة الإعمار، معتبرة أنّ التقدم الأمني والسياسي مترابطان بشكل وثيق.
وفي هذا السياق، شدّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على أنّ أولوية الدولة هي عودة أهالي القرى الحدودية إلى منازلهم، معتبراً ذلك مدخلاً أساسياً لمعالجة باقي الملفات. كما رحّب بالاتفاق الأميركي – الفرنسي – السعودي على عقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، معتبراً أنّ دعم المؤسسات الأمنية هو استثمار في استقرار لبنان وسيادته.
بالتوازي، عبّر الجانب الإسرائيلي عن رؤيته لاجتماع «الميكانيزم»، فيما أبدت واشنطن تفاؤلاً حذراً حيال الوضع اللبناني، معتبرة أنّ مسار تعزيز دور الجيش اللبناني يتقدم، وإن كان يحتاج إلى وقت. كما شهدت بيروت يوماً مصرياً حافلاً، تُوّج بتأكيد القاهرة دعمها الكامل للبنان ورفضها الانتهاكات الإسرائيلية، مع استعدادها للمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار وتعزيز التعاون الثنائي.
في المحصلة، يبدو لبنان أمام فرصة سياسية – دبلوماسية قد تفتح نافذة أمل لتخفيف التوتر وترسيخ الاستقرار، إلا أنّ هذا التفاؤل يبقى مشروطاً بتطورات الميدان، وبمدى ترجمة التعهدات الدولية إلى خطوات عملية تقي البلاد مخاطر التصعيد