
جنود من الجيش الإسرائيلي قرب الحدود مع لبنان
اكتسب اليوم الثالث من الحرب الإسرائيلية الجديدة، التي اندلعت رداً على إشعال «حزب الله» الجبهة اللبنانية مع إسرائيل في إطار ما يصفه بـ«إسناد إيران»، دلالات استراتيجية وميدانية وإنسانية خطيرة، مع شروع الجيش الإسرائيلي عملياً في خطوات متدرجة تهدف إلى إنشاء ما يبدو «شريطاً حدودياً» جديداً داخل الأراضي اللبنانية الجنوبية التي يتوسع في احتلالها.
ولم يكن تكثيف إطلاق الصواريخ الذي يتبناه «حزب الله» تحت مسمى «المقاومة الإسلامية»، غداة حظر جناحه العسكري والأمني بقرار من مجلس الوزراء قبل يومين، سوى مؤشر ميداني على استمرار السيطرة الإيرانية على قرار الحزب وقيادة عملياته. ويعكس ذلك تحول المواجهة العسكرية إلى ما يشبه مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران على الأراضي اللبنانية، بما يشكل انتهاكاً واضحاً للسيادة اللبنانية.
وتعزز هذا التصعيد مع توجيه إسرائيل إنذاراً إلى القادة الميدانيين والأمنيين في الحرس الثوري الإيراني الموجودين في لبنان بضرورة مغادرة البلاد خلال 24 ساعة، فيما ردت طهران بتهديد مماثل، معلنة أنها ستستهدف السفارات الإسرائيلية حول العالم إذا أقدمت إسرائيل على قصف السفارة الإيرانية في بيروت. كما ساهمت المعلومات عن مقتل إيراني في فندق بمنطقة بعبدا نتيجة غارة إسرائيلية في زيادة أجواء التوتر والتصعيد.
أما السيناريو المتداول حول إعادة فرض واقع احتلالي طويل الأمد عبر ما تسميه إسرائيل «منطقة دفاعية» أو «منطقة عازلة»، فيشير إلى احتمال عودة نموذج الشريط الحدودي الذي أقيم بعد «عملية الليطاني» عام 1978. وتفيد المعطيات الميدانية المتداولة بأن عمق هذا الشريط قد يتراوح بين عشرة وخمسة عشر كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، ما يثير مخاوف كبيرة بشأن مصير عشرات البلدات والقرى التي قد تواجه تهجيراً طويل الأمد إذا مضت إسرائيل في تنفيذ خطة تقوم على إخلاء هذه المناطق من سكانها حتى نزع آخر قطعة سلاح لدى «حزب الله».
ورغم أن هاجس عودة الاحتلال الإسرائيلي طغى على الحركة الرئاسية والرسمية والدبلوماسية، فإن المعطيات المتوافرة حول مواقف الدول المؤثرة لا توحي بوجود إرادة أو قدرة واضحة لوقف اندفاعة الخطة الإسرائيلية، خصوصاً مع استمرار «الحزب المحظور» في تحدي الدولة والإجماع اللبناني، ما يوفر لإسرائيل الذريعة الأخطر لإعادة فرض تجربة الشريط الحدودي.
وتشير معلومات دبلوماسية إلى أن نصائح قُدمت لمسؤولين لبنانيين بضرورة الاستعداد لإدارة المرحلة التي ستلي التوغّل البري الإسرائيلي، نظراً لما قد تفرضه من تحديات شديدة التعقيد على الدولة اللبنانية.
وتبلورت هذه الصورة مع إعلان الجيش الإسرائيلي بدء تنفيذ عملية توغّل بري في جنوب لبنان بهدف إنشاء «منطقة دفاعية إضافية» تحت عنوان «الدفاع الأمامي عن قرى الشمال». وقد بدأت العمليات ميدانياً من بلدة الخيام ثم ميس الجبل فحولا ويارون وتل نحاس، بالتوازي مع تصعيد الغارات الجوية التي طالت مناطق في الجنوب والبقاع وصولاً إلى بعلبك، إضافة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق الحازمية وبعبدا.
وأفادت تقارير بأن القوات الإسرائيلية دخلت بلدة الخيام وأقامت نقطة تمركز أمام مبنى البلدية، لتصبح بذلك أول بلدة سكنية يتوغل إليها الجيش الإسرائيلي بهذا العمق. وفي الوقت نفسه، دعا المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي سكان جنوب لبنان إلى التوجه فوراً إلى شمال نهر الليطاني، مطالباً إياهم بإخلاء منازلهم والانتقال إلى مناطق أكثر أماناً شمال النهر.
وفي ظل انتشار رسائل تحذيرية مضللة عبر وسائل الاتصال تسببت بحالة من الفوضى والهلع في عدد من المناطق، تواصلت الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت وقرى الجنوب والبقاع الشمالي، فيما أعلن «حزب الله» تنفيذ سلسلة عمليات استهدفت الجيش الإسرائيلي.
وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن حصيلة العمليات الإسرائيلية منذ فجر الاثنين بلغت 72 قتيلاً و437 جريحاً.
وفي إطار الإجراءات الأمنية التي باشرها الجيش اللبناني قبل يومين، أفيد بأن الحواجز العسكرية المنتشرة في مختلف المناطق أوقفت 26 شخصاً من اللبنانيين والفلسطينيين، أحدهم بسبب حيازته أسلحة وذخائر من دون التراخيص القانونية.
وفي أول ظهور له منذ اندلاع الحرب، عاد الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم إلى تبرير تورط الحزب في المواجهة، معتبراً أن إسرائيل لم تلتزم الاتفاقات السابقة. وكرر أن المشكلة ليست في سلاح «حزب الله»، منتقداً قرارات الحكومة المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أنها أضعفت قوة لبنان ومنحت إسرائيل ذريعة للعدوان.
وشدد قاسم على تمسك الحزب بسلاحه وبخيار «المقاومة»، متهماً الحكومة بالتماهي مع المطالب الإسرائيلية. كما اعتبر أن إطلاق الصواريخ على إسرائيل جاء رداً على «15 شهراً من الانتهاكات»، مؤكداً أن ذلك لم يكن سبب اندلاع الحرب.
وتعهد بالاستمرار في القتال، في وقت حاول مخاطبة النازحين عبر تحميل إسرائيل مسؤولية تهجيرهم، في خطوة بدت محاولة لتخفيف التوتر بينهم وبين الحزب في ظل تصاعد الأزمة الإنسانية الناتجة عن التصعيد العسكري.