الخميس 25 ذو الحجة 1447 ﻫ - 11 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

فحيلي لصوت بيروت: أي ارتفاع في أسعار النفط والغاز يتحول بسرعة إلى ضغط شامل على الاقتصاد اللبناني

أميمة شمس الدين
A A A
طباعة المقال

قراءة شاملة لتداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأميركية والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان على الاقتصاد وأسعار النفط وأزمة الطاقة، سيما بعد إقفال مضيق هرمز، من الباحث المقيم لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)، وخبير المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي، الذي قال في حديث لصوت بيروت إنترناشونال: “يتوجب جمع الجيوسياسة بالاقتصاد العالمي وبالأسواق المالية، ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يقتصر على حرب إقليمية؛ بل هو صدمة طاقة عالمية قد تعيد ترتيب توازنات الاقتصاد الدولي.”

ورأى فحيلي أن ثلاث قوى لديها مصلحة اقتصادية مباشرة في التهدئة: الصين وأوروبا والدول الفقيرة والمستوردة للطاقة. الصين هي أكبر مستورد للطاقة في العالم، وتعتمد بشدة على الخليج، واقتصادها الصناعي يتضرر فوراً من ارتفاع الأسعار، لذلك غالباً ما تتبنى خطاباً يدعو إلى الاستقرار والتسويات. أما أوروبا فتخشى تكرار صدمة الطاقة 2022 بعد حرب أوكرانيا، ويتوقع فحيلي أن ارتفاع الطاقة يؤدي إلى تضخم، ركود صناعي، واحتجاجات اجتماعية. الدول المستوردة الفقيرة للطاقة هي الدول النامية ذات الدين المرتفع، وستكون الأكثر تضرراً لأن صدمة الطاقة تؤدي إلى تضخم، تدهور العملة، وأزمة ميزان المدفوعات.

أما بالنسبة للتداعيات الاقتصادية العالمية إذا استمرت الحرب، فرأى فحيلي أن هناك ثلاثة سيناريوهات:” السيناريو الأول هو صدمة قصيرة، ارتفاع مؤقت في النفط ثم استقرار. السيناريو الثاني هو صدمة تضخمية تترجم بارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار، وتأجيل خفض الفائدة عالمياً، وتباطؤ الاقتصاد العالمي. السيناريو الثالث والأخطر هو إغلاق طويل لمضيق هرمز، وفي الأدبيات الاستراتيجية للطاقة يُعتبر الإغلاق طويلاً إذا استمر أكثر من شهرين إلى ثلاثة أشهر، وهنا نتحدث عن أزمة طاقة عالمية حقيقية.”

ورداً على سؤال أين يقف لبنان في هذه المعادلة، قال فحيلي: “لبنان للأسف يقف في أسوأ موقع ممكن لأنه يجمع ثلاث نقاط ضعف: أولاً، اقتصاد مفلس؛ ثانياً، نظام مصرفي منهار؛ وثالثاً، مخاطر جيوسياسية عالية. وارتفاع النفط يعني زيادة فاتورة الطاقة، ضغط على سعر الليرة، وتضخم إضافي، لكن المشكلة الأكبر وفقاً لفحيلي ليست الطاقة بل المخاطر السياسية والأمنية، فأي تصعيد أمني يرفع فوراً علاوة المخاطر السيادية ويمنع الاستثمار والتمويل الدولي، مؤكداً أن لبنان لا ينهض في بيئة إقليمية مشتعلة.”

ووفقاً لفحيلي، الاقتصاد اللبناني يحتاج إلى ثلاثة شروط أساسية لاستعادة الاستقرار: أولاً، استقرار أمني؛ ثانياً، قرار سيادي واضح؛ وثالثاً، برنامج إصلاح مالي، مؤكداً أنه بدون هذه الشروط سيبقى لبنان اقتصاداً يعيش على التحويلات لا على الإنتاج.

لكن لبنان يملك أيضاً عناصر قوة، يقول فحيلي، مثل الاقتصاد الاجتماعي، الانتشار اللبناني، والقدرة على التكيّف، معتبراً أن هذه العناصر تبقي البلد قابلاً للحياة رغم كل شيء. والحقيقة المؤلمة هي أن لبنان يقف في موقع بالغ الحساسية داخل هذه المعادلة الجيوسياسية-الاقتصادية المعقدة، فبينما تتعامل الاقتصادات الكبرى مع صدمات الطاقة من موقع القوة المؤسسية والمالية، يواجه لبنان هذه الصدمات وهو في حالة هشاشة اقتصادية ومالية غير مسبوقة.

ويتخوف فحيلي من أن أي ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز لا يُترجم في لبنان فقط إلى ارتفاع في فاتورة الطاقة، بل يتحول بسرعة إلى ضغط شامل على الاقتصاد وعلى الاستقرار الاجتماعي، والسبب يعود إلى بنية الاقتصاد اللبناني نفسه، لافتاً إلى أن لبنان بلد يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الطاقة، ويعاني في الوقت نفسه من عملة ضعيفة ومن احتياطيات محدودة بالعملات الأجنبية، “لذلك فإن ارتفاع أسعار النفط لا يبقى مسألة تجارية أو مالية، بل يتحول إلى مسألة معيشية يومية تمس تكلفة الكهرباء والنقل والإنتاج الغذائي”.

ويشير فحيلي إلى أن الاقتصاد اللبناني يعيش أصلاً تحت ضغط أزمة مالية عميقة لم تُحل بعد، حيث لم تكتمل بعد عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ولم تُعالج الفجوة المالية في النظام المالي، كما لم يُستكمل مسار الإصلاحات المطلوبة لاستعادة الثقة الدولية، موضحاً أنه في مثل هذا السياق يصبح أي توتر أمني إضافي بمثابة ضربة جديدة لثقة المستثمرين ولأي محاولة لإعادة جذب رأس المال.

هناك أيضاً بُعد آخر لا يقل أهمية، يقول فحيلي، وهو العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية، فلبنان يحتاج إلى إعادة بناء علاقته مع المجتمع المالي الدولي، سواء عبر برنامج إصلاحي مع صندوق النقد الدولي أو عبر استقطاب دعم من المؤسسات الدولية والدول المانحة. لكن التمويل الدولي لا يتدفق عادة نحو دول تقع على خطوط المواجهة الجيوسياسية، فالمانحون والمستثمرون يبحثون أولاً عن بيئة يمكن التنبؤ بها سياسياً وأمنياً، لذلك فإن أي توسع للحرب في المنطقة يضع لبنان أمام معادلة قاسية: اقتصاد يحتاج بشدة إلى الاستقرار لاستعادة الثقة، لكنه يقع جغرافياً وسياسياً في قلب واحدة من أكثر المناطق توتراً في العالم.

في المقابل، يرى فحيلي أن لبنان غير محكوم بالانهيار الدائم، فالتاريخ الاقتصادي اللبناني يظهر قدرة عالية على التكيّف والتأقلم مع الصدمات والمتغيرات الأمنية والمخاطر الجيوسياسية، لافتاً إلى أن الاقتصاد اللبناني مر في مراحل عديدة من الاستمرار بفضل ثلاثة عناصر أساسية: مرونة القطاع الخاص، قوة الانتشار اللبناني في الخارج، والاقتصاد الاجتماعي القائم على التحويلات والشبكات العائلية.

“لكن هذه العوامل، رغم أهميتها، لا يمكن أن تشكل بديلاً دائماً عن وجود دولة فاعلة واقتصاد منظم، فالتحويلات لا تبني بنية تحتية، والاقتصاد غير الرسمي لا يعوض غياب السياسات العامة”.

من هنا يرى فحيلي أن مستقبل لبنان الاقتصادي لا يتحدد فقط بتطورات الحرب في المنطقة، بل أيضاً بالخيارات السياسية والاقتصادية الداخلية، فالاستقرار الأمني، واستعادة القرار الاقتصادي للدولة، وإطلاق برنامج إصلاحي جدي لإعادة هيكلة القطاع المالي، تبقى الشروط الأساسية لأي مسار تعافٍ اقتصادي.