
محمد فحيلي
ينظم قانون النقد والتسليف بصيغته الحالية العلاقة بين الدولة اللبنانية ومصرف لبنان، كما ينظم العلاقة بين مصرف لبنان والمصارف التجارية. ويحدد القانون بصريح العبارة مسؤولية مصرف لبنان تجاه الاقتصاد، والتسليف، والنقد الوطني، والمصارف التجارية؛
بناءً على ذلك، لا توجد أي ضبابية في كيفية تطبيق القانون إذا ما توفرت الإرادة لدى الدولة لتطبيقه.
مع التذكير أنه عقب الخروج من الحرب الأهلية، نجح قانون النقد و التسليف إلى جانب الهيكلية الإدارية لمصرف لبنان والصلاحيات الممنوحة لكلٍّ من الهيئة المصرفية العليا، ولجنة الرقابة على المصارف، والمجلس المركزي لمصرف لبنان، في معالجة أوضاع ما يقارب 20 إلى 25 مصرفاً، سواء عبر التصفية، أو الدمج، أو إعادة الهيكلة، أو التشدد في الرقابة المصرفية.
ولقد وصلنا حينها إلى نتائج إيجابية؛ إذ كان للمصارف التجارية في لبنان بعد الحرب الأهلية دورٌ أساسي في استقطاب السيولة التي يحتاجها الاقتصاد الوطني لإعادة الأعمار. ولا أعلم حقيقةً سبب عدم رضا البعض عن قانون النقد والتسليف بصيغته الحالية.
وحول أهمية ما يطرح اليوم من قوانين إصلاحية يقول محمد فحيلي في حديث لصوت بيروت أنترناشونال: «اليوم، وفيما يخص مشاريع القوانين، إذ يُعدّ بعضها استجابةً لتوصيات صندوق النقد الدولي، بينما يصفها البعض الآخر بـإملاءات الصندوق، في حين يدعو فريق ثالث إلى مواجهة التشدد في موقفه والمطالبة بإبعاد الصندوق عن شؤوننا”.
وبحسب قراءته لمكونات الجسم التشريعي في لبنان وتحديدًا مجلس النواب والمكلفين في لجنة المال والموازنة يرى فحيلي أنه يتوجب بالحد الأدنى أن يكونوا على دراية ومعرفة، وأن يمتلكوا القدرات والكفاءات التي تؤهلهم لدراسة أي مشروع قانون ذي طابع نقدي أو مالي، وتقويمه، واقتراح تعديلات ذات قيمة تعود بالمصلحة على الاقتصاد والقطاع المصرفي والنقد الوطني، “فإذا كانوا يعملون فقط للاستجابة لإملاءات صندوق النقد الدولي، فليدعوا له حينئذٍ السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولنترك المقدرات النقدية والمالية تُدار من الخارج، كما كنا محكومين أمنيًا سابقًا من قبل الجيش السوري، أو كما يقع جنوبنا اليوم تحت الحكم الأمني للجيش الإسرائيلي”.
و يتساءل فحيلي عن دور لجنة المال والموازنة، ودور السلطة التنفيذية التي تتولى صياغة مشاريع القوانين، ودور الأفراد المكلفين بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي، مذكٍراً أن صندوق النقد هو هيئة استشارية، وليس سلطة تنفيذية أو تشريعية في لبنان، وإن الدولة اللبنانية هي من تزود الصندوق بالبيانات والمعلومات المالية، وعلى أساس هذه البيانات المتوفرة، يحيلها الصندوق إلى فريق تقني يدرس المعطيات ويقدم الاقتراحات. ثم يراجع هذه الاقتراحات رئيس البعثة المفترض به أن يمتلك تفكيرًا إستراتيجيًا إلى جانب ممثل الصندوق في لبنان، لتقديم التوصيات للدولة اللبنانية.
ويبقى على الدولة اللبنانية وحدها دراسة هذه التوصيات وتقويم مدى ملاءمتها، مؤكداً أن القرار النهائي يعود للحكومة لا لصندوق النقد الدولي، إذ لا يحق للصندوق ولا يقدر على فرض إملاءاته، بل يقتصر دوره على تقديم التوصيات، معتبراً إن التوصيف الخاطئ لدور صندوق النقد الدولي في لبنان إنما يدل على طريقة تعاطي السلطة اللبنانية مع المجتمع الدولي، وفي مقدمته صندوق النقد.
المظلة التشريعية وهدم سيادة القانون
وثمة نقطة جوهرية توقف عندها فحيلي و هي إننا خرجنا من أتون الحرب الأهلية وكأن أحداً لم يكن مسؤولاً عن ويلاتها، “فصدر عفو عام، وطُويت الصفحة لنبدأ مرحلة جديدة، لكننا منذ ذلك الحين وحتى اليوم، ما زلنا نُهدَّد بالسلم الأهلي والعودة إلى مربع الحرب الأول، نُحيي ذكرى الثالث عشر من نيسان وكأنها ليست ذكرى أليمة، بل محطة للتذكير والوعيد بأن مساس أي طرف بمصالح مكون سياسي معين سيعيدنا إلى الحرب، وأن “جاهزية إعادة إنتاجها حاضرة في أي لحظة”.
و رأى أن اليوم يُعاد المسار نفسه إذ يُناقَش “قانون العفو العام” للإفراج عن جميع المعتقلين تحت مسمى “المعتقلين الإسلاميين، ولا نعلم بالظبط كيف تُعتقل الدولة هؤلاء بظروف استثنائية وضغوط سياسية دون الإفصاح عن الملابسات، لكن المفترض في وجود قضاء قادر ومستقل أن يُوظَّف للتحقيق واستنتاج الحقائق ومعرفة ما حدث وما يجب أن يحدث. حينها فقط، يُمكن اتخاذ قرار معلل بالإعفاء. أما بشأن المحتجزين، فلا يمكننا استخدام مصطلح “المظلومية” جزافاً؛ لأن المظلوم هو من يُصدر بحقه حكم غير عادل، بينما هؤلاء لم يُحاكموا بعد ولم يأخذ القضاء مجراه معهم، مما يجعل تصنيف وجودهم في السجون أمراً غامضاً”.
الهروب من المحاسبة إلى التشريع:
و اعتبر فحيلي إن الخطورة تكمن في النهج المتبع من الطبقة السياسية، فكلما استشعروا أن القضاء إذا أخذ مجراه قد يصل إلى المساءلة والمحاسبة والمساس بمكاسبهم، يغلقون باب القانون ويلجأون إلى “التشريع”، لأن التشريع يُفصَّل ويُحاك بدقة على مقاس الطبقة السياسية ومصالحها، ليُفرض بعد ذلك على المواطنين، فتُصان المكاسب ولا يتطرق الشك أو الحساب إلى أحد، مؤكداَ إن التخلي عن تطبيق القوانين النافذة لصالح تشريعات تُحرّكها المصالح السياسية يُعدّ بادرة شديدة الخطورة تُكرر نفسها في محطات عدة.
وجه الشبه: الأزمة المالية والمصرفية:
وفقاً لفحيلي يشبه هذا الوضع إلى حد كبير “قانون إصلاح المصارف”؛ فالإصلاح المطلوب كان يجب أن يطال المالية العامة ومكونات الطبقة السياسية والدولة. لكنهم أطلقوا عليه اسم “الفجوة المالية” للتنصل من المسؤوليات:
-نفي مسؤولية الدولة تجاه مصرف لبنان.
-نفي مسؤولية مصرف لبنان تجاه المصارف التجارية.
-نفي مسؤولية المصارف التجارية تجاه المودعين، وهي المسؤولية التي ينظمها أصلاً قانون الموجبات والعقود وقانون النقد والتسليف.
لقد حادوا عن تطبيق القانون القائم، ولجأوا إلى سن تشريعات جديدة تُفصَّل على قياسهم لتجنبهم المساءلة والمحاسبة.