
الأمين العام المساعد لاتحاد أسواق المال العربية فادي قانصو
لفت الأمين العام المساعد لاتحاد أسواق المال العربية الدكتور فادي قانصو إلى أن لكلّ عملة وطنية في أي بلد أربعة أدوار تقليدية هي: (1) أداة للتداول، أي إجراء التبادلات التجارية وعمليات التسوق بالعملة الوطنية، (2) وحدة محاسبة، أي اعتماد العملة الوطنية للأغراض المحاسبية، (3) عملة ادّخار، أي إقدام المودعين والمستثمرين على الادّخار بالعملة الوطنية، (4) أداة إقراض، أي إقدام المقرضين على إعطاء قروض بالعملة الوطنية.
ورأى قانصو أن الليرة اللبنانية قد فقدت دورها كوحدة محاسبة لأن تدهور سعر الصرف جعل قراءة البيانات المالية بالعملة المحلية يفقد مصداقيته.
وفقدت الليرة دورها كعملة ادخار مع بلوغ نسبة دولرة الودائع حدود 80% نتيجة التحويلات من الليرة اللبنانية إلى الدولار وانعدام الثقة في الليرة اللبنانية كما وفقدت أخيراً الليرة دورها كأداة إقراض لأن المصارف امتنعت عن إعطاء قروض بالليرة اللبنانية في ظل سوق قطع متدهور باطراد، لأن المقرض يخسر والمقترض يربح من تردي سعر الصرف.
في حين أن آخر وظيفة متبقّية، أي أداة للتبادل، قد بدأت تحتضر وهي في مرحلة الموت السريري مع تسعير معظم السلع بالدولار الأمريكي.
وفي حال فقدت الليرة بشكل تامّ دورها كأداة للتبادل، وهو أمر متوقع مع استمرار التقلبية اللافتة في سعر الصرف، نكون قد دخلنا فعلياً في المحظور أي في مربع الدولرة الشاملة.
وأشار قانصو إلى أن عدداً من الدول قد اتجه فعلياً الى اعتماد الدولرة الشاملة خصوصاً الدول الناشئة التي تهدف إلى كبح جماح تضخم الأسعار، على اعتبار أن الدولرة تُعدّ أداة لتوحيد أسعار السلع والخدمات وتثبيتها لمكافحة التضخم المفرط في الأسعار التي عادةً ما تشهد تقلّبات وارتفاعات ملحوظة نتيجة تدهور سعر الصرف عندما تُسعّر بالليرة اللبنانية، شرط تفعيل الرقابة على التسعير.
وقال قانصو إن “الدولرة الشاملة تُعدّ أداة لاستبعاد عوامل المضاربة على العملة الوطنية وعلى أسواق المال، فتصبح الاقتصاديات المدولرة أكثر شفافية، شرط تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي ومحاربة المحتكرين والمهرّبين والمضاربين. كما وأنها أداة لضبط حركة خروج الأموال من البلاد ولتسهيل عملية الاندماج في الأسواق العالمية، شرط تعزيز عامل الثقة بمقوّمات البلد وسياساته الاقتصادية والنقدية”.
ولكن في المقابل يضيف قانصو يجب تسليط الضوء على مخاطر وسلبيات الدولرة الشاملة خاصةً في غياب الاستقرار السياسي والاقتصادي والشفافية والثقة في مقوّمات الاقتصاد الوطني وفي وقت تفتقد الدولة إلى مصادر دخل تسمح بتدفق العملة الصعبة إلى خزينتها، كما هو الحال في لبنان، ما يعني عدم قدرة الدولة على سداد رواتب موظفي القطاع العام بالدولار وبالتالي إفقار ما لا يقل عن 400 ألف موظف وعوائلهم من أبناء شعبنا.
من جهة أخرى، فمع غياب مصادر الدخل بالعملة الخضراء والكافية لتمويل احتياجات الدولة والاقتصاد بشكل عام، يرتفع الطلب على الدولار ويزيد سعره ليتفاقم معه انهيار الليرة، ما يعني تداعيات كارثية على المواطنين الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة والذين يدفعون بالليرة اللبنانية على سعر صرف السوق.
كما تحدث قانصو عن فقدان الدولة خيار طبع عملتها الوطنية وما يتضمّنه ذلك من فقدان رمز أساسي للسيادة الوطنية إضافةً إلى أن الدولرة الشاملة تُفقد الدولة تأثيرها المباشر على المسار الاقتصادي الداخلي، خصوصاً على مستوى السياسة النقدية وسياسات أسواق صرف العملات. كما ويفقد المصرف المركزي مع الدولرة الشاملة قدرته على أن يكون الملاذ الأخير للسوق وللمصارف، وبالتالي قد يكون عاجزاً عن تمويل أو إمداد المصارف بالسيولة في ظروف هروب الأموال.
ووفق قانصو مع ضعف الرقابة لا بل مع غيابها في لبنان بشكل شبه مطلق، لا يوجد ضمانة فعلية بتسعير عادل بالدولار ولا ضمانة بعدم تلاعب التاجر بالأسعار الأساسية للسلع المستوردة.
أضف إلى ذلك، فإن الدولرة الشاملة قد تقضي على عدد كبير من القطاعات في البلاد ومنها القطاع الزراعي والصناعي، إذ تشكلّ عائقاً أمام تصدير المنتجات الزراعية والصناعية مع ارتفاع أسعار هذه المنتجات التي ستخرج بالتالي من قائمة المواد المنافسة، ناهيك عن فقدان عامل الجذب المتمثّل بتوافد المغتربين والسياح إلى لبنان على اعتباره بلداً جاذباً لهم مع تدهور سعر الصرف.
كما وأن الدولرة قد تساهم في إقفال أبواب عدد كبير من الشركات الصغيرة لكونها غير قادرة على تسديد مدفوعاتها بالدولار، ومنها مثلاً أكثر من 23,000 ألف “دكانة” مقابل متاجر التجزئة كالسوبرماركات التي قد تتمكّن من الصمود.
وأشار قانصو إلى أن التفلّت السائد في سعر الصرف نتيجة ما نمرّ به من أزمات متراكمة، كان له تأثيراً لافتاً على القدرة الشرائية لدى المواطنين وعلى نسب الفقر في البلاد، وبالتالي في غياب أي استقرار اقتصادي وسياسي وفي ظلّ انحلال شبه تامّ لمؤسسات الدولة، فإن الدولرة الشاملة قد تفاقم من نسب الفقر في لبنان الذي أصبح يطال أكثر من 80% من مجموع السكان، مع الإشارة إلى أن حوالي مليون و250 ألف عائلة في لبنان تعيش في فقر، منها ما نسبته 70% يتأثرون بالشق الغذائي، في حين يعيش 40% منهم في فقر مدقع، أي أن مدخول تلك العائلات في اليوم أقل من دولارين وفق التصنيفات الدولية.