
جوزف بجاني وعائلته
بينما يحاول البعض قص الرواية ولصقها في روايات أخرى، تظهر خيوط القصة مجددا لتؤكد بأ،ن جريمة مقتل جوزف بجاني ليست بدافع السرقة بشكل لا يقبل الشك.
جوزف بجاني ابن الكحالة، ثلاثيني متزوج وله طفلتان، كان في طريقه صبيحة يوم اغتياله لإيصالهما وشقيقته إلى المدرسة، قبل أن يتوجه قاتلاه إلى سيارته بخطى ثابتة وواثقة وغير قلقة، يفتح أحدهما باب سيارة القتيل ويرميه بـ3 رصاصات أردته قتيلا بكاتم صوت، ليقوم شخصا آخرا يبدو أنه اوكلت له مهمة سرقة هاتف القتيل وكاميرته.

سيارة القتيل
” الجريمة في إطار السرقة فقط لا غير” … جملة يحاول فيها البعض امتصاص التحليلات المنطقية والتي تفضي إلى حقيقة واحدة وهي أن ابن الكحالة يخفي في غرف هاتفه وحنايا كاميرته أسرارا لم يطلع عليها أحدا من عائلته، لكن ثمة من يعرف ماذا بداخلهما، وهو نفسه أي البجاني يعلم انه لا يعيش في أمان واستقرار، ولعل التفاته يمينا وشمالا قبل ركوب السيارة دليلا دامغا لعدم ارتياحه وقلقه مما قد يحدث، فهل تلقى بجاني تهديدا مباشرا بقتله؟

سيارة القتيل
جريمة مخطط لها بطريقة استخباراتية، نفذت بعناية فائقة، ووحدها العناية الإلهية أنقذت عائلة جوزف بجاني التي كانت من المفترض أن تكون إلى جانبه، لولا أنه أراد أن ينزل إلى السيارة قبلهم لتحميتها، فحماهم من موت محتم، فالقتلة حتما لم يريدوا هاتف البجاني وكاميرته لبيعهم “اونلاين”، بل أرادوا رأس البجاني وما تحتويه أجهزته، وإلا لما بقيت سيارته في مكانها وهي التي يبلغ ثمنها أضعاف ما تمت سرقته.
من يكون البجاني ؟
جوزف بجاني، موظف في شركة الاتصالات ألفا، وهاو تصوير وكان يتطوع لتصوير الجيش اللبناني، وكان قد كتب سابقا على صفحته الشخصية في شهر آب الماضي، وهو الشهر الذي حدث فيها انفجار المرفأ “بعد 15 سنة تصوير، وتركيز على التصوير العسكري بلبنان والخارج، بخاصّة لإظهار صورة التقدّم، القوة، وصورة الحضارة للجيش اللبناني للخارج، قرّرت اليوم اعتزل التصوير العسكري بلبنان. الواحد بدّو يترجاهن تيصوّرن، وبس يروح تيصوّر بحس حالو ارهابي. استروا ما شفتوا منّا. خلّونا نصوّر يلي بقدِّر”.

ويذكر بأن جوزف كان من أول المصورين الذين وصلوا إلى مرفأ بيروت عقب الانفجار لتصوير الحدث، والتقط عدة صور لمسرح الجريمة ومن المحتمل أن تكون “حصرية”، وتحتوي على “خيوط” قد تقود إلى كشف ملابسات جريمة 4 آب التي تسعى السلطة اللبنانية إل طمسها وتدميرها، ليبقى السؤال، ماذا التقط جوزف بكاميرته للحد الذي يرعب القتلة؟ لا سيما أن قتله جاء بعد أسابيع من اغتيال العقيد بورجيلة الذي كان قد استُدعي للتحقيق في حادثة المرفأ.
ومن جهة أخرى نفت مصادر عسكرية لـ”العربية.نت” المعلومات التي أشارت إلى أن المغدور كان وثّق أدلة مع محققين أميركيين وفرنسيين حول انفجار بيروت”، وأكدت “أن المغدور لا يعمل لدى قيادة الجيش، وربما كان إلى جانب مصوّرين آخرين توجّهوا إلى منطقة المرفأ عقب الانفجار من أجل التقاط صور، وكانت الفوضى تعمّ المكان، لكن مع وصول الجيش الذي ضرب طوقاً أمنياً حول مكان الانفجار، طُلب من كل الأشخاص المتواجدين في المكان المغادرة حرصاً على أمنهم”.
لماذا كاتم الصوت ؟
يرتبط كاتم الصوت بعمليات اغتيال القيادات، لا سيما تلك التي كان ينفذها الموساد الإسرائيلي، وتجدر الإشارة بأن أجهزة الدولة جميعها لا تمتلك كاتم الصوت، ووحدها الجهات التي تمتلك كاتم الصوت في لبنان هي أجهزة الاستخبارات السورية والفلسطينية والموساد الإسرائيلي وبعض الأحزاب لا سيما أن كاتم الصوت لا يباع في لبنان.
ولعل كاتم الصوت تحديدا هو ما أثار رعب اللبنانيين الذين يتساءلون عن النفق الجديد الذي يأخذون مساره على نحو متسارع لا يخلو من الدماء، فهل دخل لبنان في مرحلة تصفية الرؤوس؟ وأي رؤوس ؟ ما هي الرسالة التي أراد القاتل الرئيسي إيصالها للبنانيين أو لكل من هو مرتبط بجريمة مرفأ بيروت؟.
مرحلة سوداء يقبل عليها الشعب اللبناني الذي يحاول النجاة بنفسه أمام سفارات العالم ولعل بجاني كان من بينهم يستعدّ بحسب روايات أهالي بلدته للهجرة إلى كندا، بعد حصوله منذ أيام على التأشيرات المناسبة، فهل كانت هجرته هروبا من تهديد لم يستطع البجاني النجاة منه؟.
ما هي المرحلة المقبلة
من يعيش في لبنان يرى خيوط الموت تتشابك فوق الرؤوس، وشبح الموت يلتف حول الأعناق في ظل تهديدات أمنية لا تخفيها أي جهة بأن لبنان سيدخل في مرحلة اغتيالات بدأت تتوضح خيوطها ومساقاتها، ففي دولة مخترقة على نحو فاجر وتسيطر عليها الميليشيات، يبدو أن الرسالة مفادها أن “اصمتوا”، اغلقوا هواتفكم واحرقوا عدسات كاميراتكم، وتوقفوا عن النبش بما ليس لكم حتى وإن كان لكم.
الرسالة واضحة، التزموا الصمت وإلا “كاتم الصوت”، على اللبنانيين أن يصمتوا أمام حقيقة تسليم لبنان لميليشيا مدعومة من دولة الظلام وأعوانها في المنطقة، فعمل استخباراتي كهذا يعيدنا إلى حقبة الاغتيالات السياسية والحرب الأهلية، في ظل الفراغ الحكومي وارتفاع سعر الدولار وكذلك نسبة الجريمة، والعجز الاقتصادي وأزمة المصارف.
ومن جهة أخرى، الاشتباك السياسي القضائي حول أداء المحقق العدلي فادي صوان الذي يطالب ركنا حركة أمل غازي زعيتر وعلي حسن خليل بكفّ يده عن التحقيقات في ملف انفجار مرفأ بيروت واستبداله بسبب “الارتياب المشروع” الذي لاقاهم فيه حزب الله بالطلب إلى المحقق العدلي إعادة النظر بادعاءاته واعتماد مقاربة غير استنسابية. لا سيما وأن المدعى عليهم في ملف المرفأ هم من حلفاء حزب الله الرسميين.
كل هذه التفرعات في الأزمة السياسية اللبنانية تأخذنا لجهة واحدة وهي ظلامية حتما، فـ جوزف بجاني، لم يكن الاول وليس الاخير حتما، وما هو مؤكد بأن أركان السلطة بدأوا بتحسس رقابهم، فلجأوا إلى عصر التصفيات، في أجواء تعيدنا إلى مرحلة النظام السوري في لبنان وهي فترة مصبوغة بالدماء والاغتيالات والتصفيات السياسية وغير السياسية، ووفق التقديرات فإن لبنان سيدخل في مرحلة أشد قتامة مع بداية العام الجديد.