
البطريرك الراعي
جدد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي “دعمه ومباركته لمجموعات الثورة والحراك المدني”، معتبرا أنه “شعلة رجاء وأمل في ظلمة الأيام”.
وفي كلمة أمام مجموعات الثورة في لقاء عقد، بعد ظهر اليوم، في الصرح البطريركي ببكركي بتنظيم من حركة “نحو الحرية”، ضم مشاركين من مختلف الطوائف والمناطق اللبنانية، قال الراعي: “شكرا لقدومكم من كل المناطق اللبنانية شباب وشابات الثورة والحراك، يحرككم الانتماء للبنان والمواطنة اللبنانية وهذا ما نعتز به منذ بداية ثورة 17 تشرين. أشكركم على كل الكلمات التي تفضلتم بها والصرخات التي أطلقتموها والتي هي بمثابة برنامج عمل سأعود إليه في كل الخطوات التي أقوم بها داخليا وخارجيا، وخصوصا في موضوعي الحياد والمؤتمر الدولي من أجل لبنان”.
أضاف: “سأجيب في كلمتي عن ثلاثة أسئلة طرحت علي:
الاول: ما هو المطلوب من الحراك المدني لكسب ثقة الناس؟
نحن باركنا الحراك منذ انطلاقته لأنني رأيت فيه شعلة رجاء جمعت مواطنين من كل المناطق وكل الطوائف، وربما من كل الأحزاب، جمعهم الوجع والمعاناة والوضع السياسي والاقتصادي والمعيشي، فباركنا هذا الحراك لأننا في أمس الحاجة إلى ثورة حضارية، وقد أسميناها ثورة حضارية كي لا يختلط أصحاب النوايا الوطنية والمخلصة مع من تسللوا في صفوف الحراك والثوار وقاموا بانتهاك الأملاك والمؤسسات الخاصة والعامة، وهو أمر مرفوض تماما. المطلوب اليوم من الحراك تجنب إزعاج الناس من خلال قطع الطرق وإشعال الاطارات من دون التفكير بأرزاقهم، ولا يمكننا بعد اليوم أن نعاقب الناس ونقطع بأرزاقهم، لأن ثورتنا هي ضد الممارسة السياسية المرفوضة، فالمواطن هو الذي يدفع الثمن من جراء قطع الطرق. ولذا، يجب اعتماد التظاهر السلمي والحضاري والقانوني، فهو حق مقدس يكسب الحراك ثقة الناس. كما علينا تجنب أي أمر يفقد اللبنانيين والأجانب الثقة بلبنان كالاعتداء على الأملاك الخاصة والمطاعم والمصارف. نحن نريد كسب ثقة الناس بطريقة ايجابية كي ينضموا الى الثورة ويزداد عدد الثوار.
الثاني: ما هي الثغرات الموجودة في الحراك؟
في الحقيقة، لن أتكلم الآن عن ثغرات، بل عندما تصبح الأمور أكثر وضوحا وتتضح خارطة الطريق. اليوم، أفضل الحديث عن تنظيم ووضع خطة شاملة للحراك، فيجب أن نعمل على صقل التربية الوطنية والثقافية، فأي حزب اليوم لا يملك عقيدة وخطة واضحة؟
ما نطلبه اليوم من الحراك هو أن يضع خطة ويقوم بتنظيم نفسه وأن يعرف الى أي طريق يتجه وما هي أهدافه والوسائل وطرق الوصول، لأن مقولة فلتسقط الدولة لو كررناها مئة عام لن تغير في شيء. المطلوب تغيير عقلية المجتمع وتحضير بدائل وأجيال جديدة تستطيع تغيير التركيبة من الداخل، هذا هو طريقنا الوحيد لتثمر جهود شباب وشابات الثورة.
الثالث: ماذا تعني التعددية التي تميز لبنان عن كل بلدان المنطقة الأحادية؟
تعني أن يقبل الجميع بأننا كمواطنين لبنانيين رفاق درب في بناء وطن، ونغتني من بعضنا البعض، المسيحي والمسلم، من خلال بناء الثقة واعتبار الآخر أخا وشريكا في بناء الوطن، وما يجمعنا هو الاحترام والتعاون المتبادل لبناء الدولة، فالتربية قد رسخت في أذهاننا أننا أعداء، وهو أمر غير صحيح، لأن بناء الوطن من جديد يعني بناء التنوع والتعدد وتقبل الآخر والعمل على هدف واحد، وهو بناء لبنان الأفضل الذي سيستعيد التاريخ المشرق، والحرص على أن يستطيع الحراك تغيير المجتمع والذهنية الاقتصادية والسياسية والتجارية، وهذا الأمر سيستغرق وقتا طويلا، لأن التغيير يتطلب عملا دؤوبا، وميزتنا الكبيرة في لبنان هي الميثاق الوطني الذي نص عام 1943 وجدد في اتفاق الطائف، والذي كرس العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين بالاحترام والتعاون المتبادل وإعطاء الفرصة ببناء دولة بمشاركة الجميع، وهو أمر نظمه الدستور. أما بالممارسة فتحول الى صراع على الحصص، وهذا ما حصل في الوزارات والإدارات العامة”.
وعن لبنان اليوم، قال الراعي: “لبنان اليوم مريض وبحاجة الى استعادة صحته، لبنان ليس بحاجة الى أن يتغير، بل إلى استعادة هويته الحقيقية بمساعدة هذا الجيل وهذا الحراك، فلبنان بحاجة الى استعادة بهائه وجماله وسمعته الرائعة في كل دول العالم، والسبيل الوحيد هو العمل الدؤوب وأن نكون كالخميرة التي ستغير النهج السياسي والاقتصادي والمالي والثقافي. لقد وصلنا الى مرحلة لم يعد فيها لبنان يشبهنا، فهذا ليس لبنان الذي نعرفه، وأنتم كحراك مدني وثورة أدركتم هذا الأمر، وسويا يجب أن نعمل للتغيير، وبين أيدينا اليوم وسائل تواصل اجتماعي نستطيع استخدامها لتوجيه هذا التفكير من خلال انشاء مجموعة تفكير وتخطيط تستطيع التأثير وقيادة شباب الثورة، فانظروا أين أصبحنا اليوم بفضل السياسات الخاطئة، انظروا الى الحال الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي وصلنا اليها، وأتت جائحة كورونا لتزيد الطين بلة ولتجعل لبنان يخسر كل قواه الحية وتزداد نسبة الهجرة، فأهم الأطباء والمعلمين والمهندسين وخبراء المال هاجروا بنسب كبيرة الى دول الخليج، المشكورة لاحتوائها مئات آلاف اللبنانيين، فلبنان في الماضي كان المصرف والمستشفى والجامعة والسياحة والحرية، لكن هذه المقولة لم تعد تصح اليوم، فالأطباء والأساتذة هاجروا، والمصارف مقفلة ولا تعمل كما يجب، والسياحة تعاني”.
وختم الراعي: “ما قلته لكم اليوم سبق وكتبته في الميثاق التربوي الوطني الشامل، شرعة الأجيال اللبنانية الجديدة، وهو في تصرفكم كي نتمكن من وضع خطة عمل وبثها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأعود وأكرر لكم أن التغيير يتطلب وقتا طويلا، وأنتم الخميرة التي بإمكانها تغيير كل شيء واستعادة لبنان الذي ولد عام 1920 بعد مسيرة طويلة من النضال، ثم سقط في الحرب الأهلية وحاول النهوض مجددا. واليوم، يعتمد علينا”.