
وزير العدل عادل نصار
أكد وزير العدل، عادل نصار، في حديث لبرنامج “حوارات السراي” الذي تقدمه الزميلة ندى صليبا عبر “تلفزيون لبنان”، أن اعتراضه على تعيين غراسيا القزي مديرة عامة للجمارك لم يكن ناتجًا عن موقف شخصي، بل جاء انطلاقًا من اعتبارات تتعلق بعدم ملاءمة التوقيت في ظل استمرار بعض الملفات القضائية الحساسة، لا سيما ملف انفجار مرفأ بيروت.
وأوضح نصار أن “قرينة البراءة تظل قائمة، وأن أي قرار وزاري لا يؤثر سلبًا أو إيجابًا على مسار التحقيقات القضائية”، مؤكداً استقلالية القضاء في اتخاذ القرارات دون تدخل من السلطة التنفيذية.
وأشار إلى أن اعتراضه “على التعيين كان بسبب ما اعتبره عدم ملاءمة، وليس لوجود أي عائق قانوني”، لافتًا إلى أن “مجلس الوزراء بالأغلبية اعتبر التعيين جائزا، وأن هذا القرار لا يهدف إلى رد اعتبار أو التأثير على أي ملف قيد التحقيق، بل هو قرار إداري مستقل عن القضايا القضائية”.
واعتبر أن “تحركات أهالي ضحايا المرفأ، رغم استحقاقها الإنساني، لا يجب أن تُفسر على أنها تغيير لمسار العدالة أو التدخل في سير التحقيقات”.
وعن بناء الدولة، رأى أن “السيادة الوطنية وحصر القوة في يد السلطات الرسمية هما ركيزتان أساسيتان”، مشيرًا إلى “ضرورة أن يكون جميع المواطنين تحت سقف القانون دون استثناءات”، ومشدداً على أن “الدولة لا يمكن أن تقوم بشكل مكتمل إلا إذا كانت القوة القانونية محصورة بالمؤسسات الرسمية، في سياق معالجة تراكمات سياسية وأمنية استمرت لعقود”.
وأكد أن “الدولة تلتزم العدالة والمساواة أمام القانون، بما في ذلك في مواجهة ظواهر الانفلات والسلاح غير الشرعي”.
وعن استقلالية القضاء، أوضح أن “القانون الجديد أعطى الجسم القضائي دورًا أكبر في التعيينات والتشكيلات، وأضعف قدرة السلطة التنفيذية على التدخل، معتمداً على المهنية والكفاءة والنزاهة بعيدًا عن المحاصصة السياسية”، مشيرًا إلى أن “هذا القانون يمثل مرحلة جديدة في تعزيز استقلالية القضاء، وأن العمل القضائي يسير بشكل مستمر وموضوعي رغم التحديات اللوجستية وصعوبات قصور العدل”.
وأشار إلى “جهود الوزارة لتسريع المحاكمات، من خلال تشغيل قاعة محاكمة ملحقة بسجن رومية وتقليل التأخير في حضور الموقوفين”، موضحًا أن “هذه الإجراءات لا تنتهك حقوق الدفاع أو أصول المحاكمات، بل تهدف إلى رفع نسبة انعقاد الجلسات من 33٪ إلى 88٪”. كما شدد على متابعة ملفات الجرائم الكبرى، بما فيها ملفات الاغتيالات السياسية، بالتنسيق مع جهات خارجية عند الحاجة، لضمان الوصول إلى نتائج حقيقية.
وتطرق وزير العدل إلى موضوع الإفراج عن هنيبعل القذافي، مؤكداً أن “القرارات القضائية تتسم بالحكمة والحيادية، وأن العمل القضائي شهد تطورًا ملموسًا منذ توليه الوزارة، مع تعزيز آليات الرقابة من خلال هيئة التفتيش القضائي المستقلة، التي تراقب الالتزام بالمعايير المهنية والنزاهة وتبعد السياسة عن عمل القضاء”.
وشدد على أن “موعد صدور القرار الظني في ملف انفجار مرفأ بيروت يبقى مرتبطًا حصراً باستكمال التحقيقات القضائية، بعيدًا عن أي ضغط إعلامي أو شعبي”، لافتًا إلى أن “القضاء يعمل وفق توقيته الخاص الذي تحكمه المعطيات والملفات لا التوقعات”.
وأوضح أن “منذ توليه مهامه، تعهد بتقديم كل ما يلزم من دعم للمحقق العدلي القاضي طارق البيطار ضمن صلاحيات وزارة العدل، وهو ما يقوم به فعليًا عبر متابعة الطلبات القضائية، ولا سيما تلك المتعلقة بالاستنابات القضائية إلى الخارج، وبذل كل الجهود الممكنة لتسهيل الحصول على المعلومات المطلوبة”. ولفت إلى أن “تأخر بعض الإجابات من دول أجنبية ينعكس حكمًا على مسار التحقيق، ولا يمكن تجاوز هذه المعطيات أو تجاهلها فقط بسبب عامل الوقت”.
وأكد أن “القاضي البيطار يعمل بجدية ودقة ومن دون تردد، وأن التعاون القضائي الدولي شهد تطورًا ملحوظًا، بدليل زيارة وفد قضائي فرنسي إلى لبنان وعقده اجتماعات مع المحقق العدلي وتبادل المعلومات معه، وهي خطوات تعكس تغيرًا في واقع القضاء اللبناني الذي لم يعد يعمل في مناخ العجز، بل بات أكثر قدرة وجرأة”.
ورأى أن “ما تحقق يشكل مؤشرًا على تحول تدريجي في أداء العدلية، رغم التراكمات الكبيرة التي لا يمكن معالجتها في فترة قصيرة”.
وشدد على أن “الهدف لا يقتصر على صدور القرار الظني فحسب، بل يتعداه إلى استكمال المسار القضائي كاملًا عبر إحالة الملف إلى المجلس العدلي، وصولًا إلى المحاسبة”، مؤكداً أن “لا حماية سياسية لأحد، ولا أحد فوق القانون، لأن جريمة انفجار المرفأ شكلت كارثة إنسانية ووطنية لا يمكن للدولة أن تستعيد ثقة مواطنيها دون كشف الحقيقة وتحقيق العدالة”.
وفي ما يتعلق بملف المساجين السوريين في السجون اللبنانية، أشار إلى أن “المفاوضات الجارية مع الجانب السوري هي مفاوضات تقنية بحتة، تراعي سيادة الدولتين واحترام القوانين والإجراءات الدستورية، بعيدًا عن الضغوط السياسية أو الإعلامية”. ولفت إلى أن “التواصل مع الجانب السوري كان إيجابيًا وموضوعيًا، وأن العمل انصب على إعداد نص اتفاقية تتعلق بنقل المحكومين السوريين لمتابعة تنفيذ أحكامهم في بلادهم”.
وأوضح أن “الاتفاقية المطروحة تميز بين فئتين: الأولى تشمل المحكومين بصورة نهائية، وهؤلاء يمكن نقلهم من دون الحاجة إلى مصادقة مجلس النواب، أما الفئة الثانية فتتعلق بالملاحقين أو من لم تصدر بحقهم أحكام مبرمة، وهي تحتاج إلى موافقة تشريعية”. وأكد أن “هذا المسار لا يعني عفوًا عامًا، لأن العفو من صلاحية مجلس النواب حصراً”، مشددًا على “ضرورة عدم الخلط بين نقل المحكومين وتخفيف الاكتظاظ في السجون وبين تشريع العفو”.
وتطرق إلى ملف المفقودين اللبنانيين في سوريا، فاعتبر أنه “ملف إنساني ووجداني بامتياز، وتتم متابعته عبر لجنة المخفيين قسراً وبالتنسيق مع الجهات الدولية، مع العمل على تذليل العقبات أمامها للوصول إلى نتائج واضحة”.
وفي الشأن الانتخابي، أكد أن “التحضيرات للانتخابات النيابية جارية، وأن وزارة العدل باشرت إعداد لوائح القضاة الذين سيشرفون على لجان القيد”، مشددًا على أن “الاستحقاقات الدستورية يجب أن تحصل في مواعيدها”.
وأعرب عن قناعته بـ”ضرورة تمكين اللبنانيين غير المقيمين من التصويت لكامل أعضاء مجلس النواب، أي 128 نائبًا، أسوة بما جرى في انتخابات عام 2022″، معتبرًا أن “أي نقاش يجب أن ينطلق من مصلحة المجتمع اللبناني لا من الحسابات السياسية الضيقة”.
ولفت إلى أن “الديمقراطية وجدت لخدمة المجتمع، لا العكس، وأن التعامل مع اللبنانيين في الخارج يجب أن يقوم على احترام حقهم الكامل بالمشاركة السياسية، باعتبارهم جزءًا أساسيًا من النسيج الوطني”.
فيما يخص ملف الضباط السوريين من النظام السابق الموجودين في لبنان، أوضح أن “القضاء اللبناني يتعامل بجدية كاملة مع أي استنابات قضائية ترد من الخارج”، مؤكداً أن “هذه الاستنابات تخضع للدراسة القانونية اللازمة، وعند التأكد من قانونيتها يتم تحويلها إلى الأجهزة الأمنية المختصة للتحقق والمتابعة، تمامًا كما يحصل مع أي استنابة قضائية أخرى”.
وشدد على أن “التعامل مع هذا النوع من الملفات يتم وفق الأصول القانونية المعتمدة، ومن دون أي استثناء”، مشيرًا إلى أن “القضاء اللبناني قام فعلاً بالتعامل مع استنابة واحدة أو أكثر تتعلق بأشخاص كانوا ينتمون إلى النظام السوري السابق، وتم تحويلها إلى الجهات الأمنية المختصة لمتابعتها”.
وختم بالاشارة إلى أن “معالجة الاستنابات الخارجية هي من صلاحيات القضاء، وتحديدًا الجهة المختصة في وزارة العدل”، لافتًا إلى أن “لبنان يتلقى أيضًا استنابات من دول أجنبية عدة، ويتم التعامل معها ضمن الأطر القانونية نفسها، في إطار احترام سيادة الدولة اللبنانية ومؤسساتها القضائية”.