
العلم اللبناني
بين مسار لبناني يسعى إلى تثبيت الدولة مرجعية وحيدة للتفاوض، وآخر “ملتبس” يحاول مصادرة نتائج أي تفاهم أميركي–إيراني وتسويقها كـ“انتصار” لمحور “الممانعة”، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على اختبار سياسي مفصلي ودقيق. ففي وقت يفتح فيه البيت الأبيض الباب أمام رئيس الجمهورية جوزاف عون، بما يعكس انتقال الملف اللبناني إلى مستوى سياسي أعلى، يصرّ “حزب الله” على قراءة التطورات من زاوية الساحة المرتبطة بطهران.
وفي هذا السياق، قال مصدر سياسي رفيع لـ“نداء الوطن”، تعليقاً على كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قمة مجموعة السبع حول زيارة محتملة للرئيس عون إلى واشنطن خلال أسبوع أو أسبوعين، إن “الدعوة لم تصل بعد ولا توقيت محدداً لها، لكن العمل جارٍ على موضوع الزيارة”.
وعلى الخط الأميركي، قال مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية لـ“نداء الوطن” إن واشنطن كانت واضحة مع إيران بأن اتفاق وقف إطلاق النار “لن يكون نمطاً واحداً ينطبق على الجميع”، مشدداً على ضرورة لجم حليفها “حزب الله” وكبح تحركاته. وأضاف أنه في حال مهاجمة إسرائيل “فإن لها الحق الكامل في الرد واستهداف مصادر التهديد”.
وأشار المسؤول إلى ما وصفه بـ“النقاشات التاريخية” التي يقودها وزير الخارجية ماركو روبيو، والتي أنتجت حوارات إيجابية تقوم على احترام السيادة بين دولتين مستقلتين هما لبنان وإسرائيل، في حين تبقى إيران و“حزب الله” – بحسب تعبيره – الطرفين المتدخلين في هذا المسار. وأعرب عن أمل بأن تفضي هذه النقاشات إلى أفق جديد لمفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وإلى إطار يساعد على تحسين الوضع القائم.
في المقابل، يُقرأ هذا الحراك في بيروت كفرصة لإعادة تثبيت الموقف اللبناني المنفصل. وأشار مصدر رسمي لـ“نداء الوطن” إلى أن موقف الرئيس جوزاف عون من إيران “تأكيد للمواقف السابقة”، نافياً ما يُشاع عن أي تغيير جذري في السياسة اللبنانية.
وأكد المصدر أن لبنان يدعم أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، ويؤيد السلام، لكن عون شدد في اتصاله الأخير مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن “من يفاوض باسم لبنان هو الدولة اللبنانية”، وأن لبنان لا يريد العداء مع إيران، لكنه يرفض في الوقت نفسه التعامل عبر قنوات غير رسمية أو خرق السيادة عبر أطراف مسلحة.
وأضاف أن الموقف اللبناني ثابت ما دامت إيران لا تغيّر سلوكها، لافتاً إلى أن ما يُروّج عن قبول أوراق اعتماد السفير الإيراني أو تسوية أوضاعه “غير صحيح”، وأن موقف الدولة اللبنانية من مسألة السفير غير المرغوب فيه لم يتبدل.
وعلمت “نداء الوطن” أن جلسة المفاوضات المقررة في 23 حزيران بدلاً من 22 ستركز على بند وقف إطلاق النار، في ظل مؤشرات ميدانية في الجنوب تشير إلى “تخفيض العمليات العسكرية الإسرائيلية” وليس وقفها بالكامل. كما رأت مصادر متابعة أن ما يُقال عن أن إيران “جلبت الهدنة” غير دقيق، في ظل استمرار الاستهدافات الإسرائيلية. وبناءً عليه، تسعى الدولة اللبنانية عبر التفاوض إلى الانتقال إلى البنود اللاحقة في المسار التفاوضي.
في الأثناء، يسود ترقب لنتائج ما سيُوقّع في جنيف بين واشنطن وطهران، وسط تضارب في التسريبات حول طبيعة التفاهمات وانعكاساتها الإقليمية.
وأوضح مصدر دبلوماسي لـ“نداء الوطن” أنه في حال صحت المعطيات المسرّبة عن الاتفاق، والتي تقدمها إيران و“حزب الله” كـ“انتصار”، فإن القراءة الواقعية قد تكون مختلفة، إذ إن التفاهمات غير المعلنة قد تتضمن قيوداً دقيقة على إيران تُنفذ تدريجياً، خاصة في ما يتعلق بالأذرع الإقليمية والبرنامج الباليستي.
وأضاف المصدر أن لبنان سيكون من أبرز الساحات التي ستظهر فيها نتائج أي تفاهم محتمل، مشيراً إلى أن وقف الحرب – إذا تحقق والتزمت به إسرائيل – يعني سياسياً أن إيران التي ساهمت في إشعال الجبهة اللبنانية وافقت على إخمادها، لكن بعد أثمان كبيرة تكبدها لبنان، ولا سيما الجنوب.
وتابع أن المرحلة المقبلة قد تشمل مساراً تنفيذياً تقوده واشنطن عبر مفاوضات غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل، يقوم على وقف شامل لإطلاق النار، ثم انسحاب إسرائيلي تدريجي، وانتشار الجيش اللبناني، وعودة النازحين، وإطلاق إعادة الإعمار، على أن يرتبط ذلك بحل عملي لملف السلاح.
في هذا السياق، اعتُبر كلام الأمين العام لـ“حزب الله” الشيخ نعيم قاسم مؤشراً على عمق التباين الداخلي. فبينما يشكر الحزب إيران ويقدّم قراءة تعتبر أي تفاهم أميركي–إيراني “انتصاراً لمحور الممانعة”، تتجاهل هذه المقاربة – بحسب النص – الكلفة الكبيرة التي دفعها لبنان اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً.
ويرى هذا الطرح أن الحزب الذي ساهم في فتح جبهة الجنوب يسعى اليوم إلى نسب نتائج وقفها إليه، وتحويل الكلفة اللبنانية إلى مكسب سياسي. كما أن إنكار وجود مناطق متأثرة ميدانياً هو، وفق هذا التحليل، تجاهل لواقع ميداني فرضته الحرب في الجنوب، حيث تحوّل إلى ساحة اشتباك مفتوحة.
ويخلص النص إلى أن المطلوب هو تعزيز دور الدولة في استعادة سيادتها عبر مسار تفاوضي، بدلاً من الخطابات السياسية، خصوصاً في ظل استمرار الخسائر التي لحقت بالقرى الجنوبية.
وفي السياق الميداني، ومع استمرار العمليات الإسرائيلية في مناطق النبطية وبنت جبيل، نقلت مصادر عن البيت الأبيض أن إسرائيل ليست طرفاً مباشراً في الاتفاق الأميركي–الإيراني، وأن انسحابها من لبنان غير منصوص عليه، وأن حقها في الرد والدفاع عن النفس يبقى قائماً في حال استمرار أي تهديد من “حزب الله” أو من الأراضي اللبنانية.
وبهذا المعنى، قد يجد لبنان نفسه أمام وقف نار “اسمي” يخفف حدة الحرب، دون أن يمنع استمرار ضربات موضعية تُبرر بأنها دفاعية أو استباقية.