
الدخان يتصاعد من جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية. رويترز
سقطت مواقع، دُمّرت قرى، جُرّفت أراضٍ، احترقت بيوت، وهُجّر أهلها، وإسرائيل تواصل فرض وقائعها على الجنوب. وأمام هذا المشهد، يخيّم صمت ثقيل على طرفين يفترض أن يكونا في قلب المسؤولية: الدولة اللبنانية وحزب الله.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: أين حزب الله؟ وأين الدولة؟
حزب الله بنى طوال سنوات معادلته على المقاومة والردع وحماية الجنوب. لكن عندما تتمكّن إسرائيل من القصف والتوغل والهدم وفرض وقائع جديدة، يصبح من حق اللبناني أن يسأل: ماذا بقي من الردع؟ وإذا كان السلاح موجوداً لحماية الأرض، فكيف نفسر سقوط الأرض تحت النار؟
لكن السؤال لا يمكن أن يتوقف عند الحزب. أين الدولة اللبنانية التي تطالب بحصرية السلاح وبأن يكون قرار الحرب والسلم في يدها وحدها؟ من حقها أن تطالب بذلك، بل من واجبها، لكن السيادة ليست شعاراً. السيادة مسؤولية.
إذا أرادت الدولة أن تصبح صاحبة القرار، فعليها أن تصبح صاحبة الحماية أيضاً. وإذا أرادت أن يكون الجيش وحده القوة العسكرية الشرعية، فعليها أن تجعله قادراً على حماية الحدود، وأن توفر له القرار السياسي والإمكانات والاستراتيجية الدفاعية التي تسمح له بأداء هذه المهمة.
لا يمكن أن نقول لحزب الله: سلّم السلاح، ثم نكتشف أن الدولة لا تملك جواباً عمّن سيحمي الجنوب. كما لا يمكن لحزب الله أن يقول إن الدولة عاجزة، ولذلك سيبقى هو صاحب القرار العسكري إلى الأبد. فهذه الحلقة هي نفسها التي أبقت الدولة ضعيفة وأبقت القرار منقسماً.
القضية لم تعد مجرد تسليم سلاح، القضية أصبحت تسليم مسؤولية.
السلاح يعني قراراً، وحدوداً، وحرباً وسلماً، وردعاً ومحاسبة. فإذا انتقلت هذه المسؤولية إلى الدولة، فعليها أن تجيب بوضوح: كيف ستحمي الجنوب؟ كيف ستمنع الاعتداء؟ كيف ستواجه أي توغل؟ وكيف ستقنع أهل القرى الحدودية بأنهم لن يُتركوا وحدهم؟
وفي المقابل، على حزب الله أن يجيب أيضاً: هل يستطيع بعد كل ما جرى أن يتصرف وكأن معادلات الأمس ما زالت قائمة؟ وهل يمكن لقوة حزبية، مهما كانت تضحياتها وقدراتها، أن تبقى بديلاً دائماً عن الدولة؟
لبنان لا يحتاج إلى انتصار الدولة على حزب الله، ولا إلى انتصار حزب الله على الدولة. يحتاج إلى انتصار لبنان على هذا الانقسام.
لبنان يحتاج إلى دولة قوية، وجيش قادر، وقرار واحد، واستراتيجية دفاع يعرف فيها اللبناني من يقرر، ومن يقاتل، ومن يفاوض، ومن يتحمّل المسؤولية.
أما أن يبقى حزب الله متمسّكاً بدور الدولة لأنها ضعيفة، وتبقى الدولة ضعيفة لأن جزءاً من قرارها خارجها، فسنظل ندور في الدائرة نفسها بينما الجنوب يدفع الثمن.
حين تسقط الأرض، لا يعود الصمت موقفاً، يصبح مسؤولية.
مسؤولية على حزب الله الذي قال إنه يحمل سلاحاً لحماية هذه الأرض، ومسؤولية أكبر على الدولة لأنها في النهاية صاحبة الأرض وصاحبة السيادة.
ولهذا، قبل أن نسأل من سيسلّم السلاح ومن سيستلمه، علينا أن نسأل السؤال الأهم:
من هو مستعد فعلاً لتحمّل مسؤولية لبنان؟
لأن لبنان لم يعد يحتمل سلاحاً بلا دولة، كما أنه لا يحتمل دولة بلا قدرة.