غارة إسرائيلية سابقة على جنوب لبنان
كتبت صحيفة «الجمهورية»:
يواجه لبنان ضغطاً متزايداً على جبهتين: اعتداءات إسرائيلية تُبقي الجنوب تحت التهديد، وأعباء معيشية تستنزف قدرة المواطنين على الاحتمال. وبينما يتحرّك رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لمنع فراغ أمني، وتسعى الحكومة إلى حشد الدعم، تكشف معلومات خاصة لـ«الجمهورية» عن مخاوف من توسّع العمليات العسكرية، وتحذيرات اقتصادية من انفجار اجتماعي إذا استمرت فوضى الأسعار والغلاء المستشري.
ويضع تزامن التحذيرين الحكومة أمام استحقاق عاجل: توفير الحماية للجنوب ووقف تدهور الأوضاع المعيشية. فالتحرّك الدبلوماسي يحتاج إلى داخل متماسك، والمساعدات المرتقبة لا تُسقط مسؤولية الحكومة عن اتخاذ إجراءات يشعر المواطن بأثرها، قبل أن تتراكم الأزمات وتصبح معالجتها أكثر صعوبة وكلفة.
وفي أبرز المعطيات الخاصة، أبدت مصادر ميدانية تخوفها من تمادي العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، وكشفت لـ«الجمهورية» عن مؤشرات على الأرض تدلّ إلى احتمال توسّع إسرائيل باتجاه المنصوري والريحان والبقاع الغربي.
ويستدعي النطاق الجغرافي الذي تتحدث عنه المصادر متابعة دقيقة، خصوصاً أن أي اتساع للعمليات قد يضيف أعباء على الجيش والأهالي، ويعقّد مسار العودة إلى المناطق المتضررة. لكن المعلومات المتاحة لا تحدد شكل التوسع المحتمل أو توقيته.
وقال مصدر دبلوماسي غربي لـ«الجمهورية» إن هذه المؤشرات تستوجب التعامل معها بجدية، من دون اعتبارها دليلاً حاسماً على عملية مقررة. وأضاف أن السؤال المطروح هو مدى قدرة الاتصالات الجارية على تقييد التصعيد، قبل أن يضيف الميدان تعقيدات إلى ملفات الانسحاب وعودة الأهالي وانتشار الجيش.
وكان الطيران الإسرائيلي قد استهدف أمس محيط القنطرة في اتجاه وادي الحجير، بالتزامن مع قصف مدفعي على دوحة كفررمان. وتؤكد هذه الاعتداءات استمرار الضغط العسكري، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات السيناريو الذي تخشاه المصادر الميدانية. أما أثرها المباشر، فيظهر في تعطيل الحياة اليومية وإبقاء خطط التعافي رهينة الوضع الأمني.
وعلى هذه الخلفية، يكتسب تحذير رئيس الجمهورية من الفراغ بعد «اليونيفيل» أهمية إضافية. فقد أبلغ كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط، الأميرال إدوارد ألغرن، ترحيب لبنان بقوة بديلة إذا تعذر التمديد للقوة الأممية، دعماً لتنفيذ القرار 1701 ومساندة الجيش في بسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً.
وحذّر عون من تداعيات غياب البديل، خصوصاً مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي. وبذلك، وضع أمام الدول المعنية سؤالاً يتجاوز إعلان الدعم للبنان إلى كيفية ضمان استمراره خلال أي انتقال في طبيعة الوجود الدولي جنوباً.
وأفادت مصادر دبلوماسية لـ«الجمهورية» بأن اتفاقاً على قوة بديلة لم يُنجز حتى الآن، رغم وجود مبادرة إيطالية بمشاركة فرنسية، وإعلان عشر دول استعدادها للانضمام إلى هذه القوة.
وأوضحت أن ترتيبات المشاركة وطبيعة التفويض والإمكانات المطلوبة وآليات الانتقال لم تُحسم بعد. وهذه التفاصيل هي التي ستحدد قابلية المبادرة للتنفيذ، وكيفية الاستفادة من دور «اليونيفيل» وخبرتها، مع الحفاظ على استمرارية المساندة الدولية للجيش.
فالموقف اللبناني واضح في رفض الفراغ، أما الاستجابة الدولية فلا تزال تحتاج إلى ترتيبات تتيح للمؤسسة العسكرية التخطيط على أساس التزامات محددة، في مرحلة لا يحتمل الجنوب فيها مزيداً من الغموض.
وفي موازاة التحرّك الرئاسي، شدّد قائد الجيش العماد رودولف هيكل، خلال تفقّده فوج المغاوير في رومية، على الجاهزية والتدريب النوعي وتماسك العسكريين. وأكد استمرار حماية اللبنانيين وتأمين الاستقرار، رافضاً محاولات إضعاف المعنويات بالشائعات والافتراءات.
وتأتي هذه المواقف فيما تواجه المؤسسة العسكرية مسؤوليات متزايدة. والحفاظ على ثقة اللبنانيين بها يساعدها في تنفيذ مهماتها، لكنه لا يعفي السلطة السياسية من توفير القرار والإمكانات والإسناد الدبلوماسي.
كذلك، لا يجوز ترك الجيش والمؤسسات الأمنية أمام نتائج أزمات تستطيع الحكومة الحد من أسبابها. فالاضطراب المعيشي، حين تتأخر معالجته، يضيف أعباء أمنية إلى الأعباء الاقتصادية. ومن هنا، تصبح الاستجابة لمطالب الناس جزءاً من حماية الاستقرار الذي تعمل المؤسسة العسكرية على صونه.
وفي هذا السياق، حذّرت مصادر اقتصادية عبر «الجمهورية» من أن تراكم الغلاء والانكماش الاقتصادي والضغط المعيشي على المواطنين قد يقود إلى انفجار اجتماعي، إذا لم تبادر الحكومة والوزارات المختصة سريعاً إلى إعادة رسم رؤية مالية واقتصادية واجتماعية تعالج فوضى الغلاء والتسعير والضرائب.
ونبّهت المصادر نفسها إلى خطورة محاولات البعض استغلال النقمة العامة لتحريك الشارع تحت عناوين مطلبية، قائلة: «إننا نعرف كيف تبدأ، لكن لا أحد يعرف كيف تنزلق الأمور وكيف تنتهي».
ويضع هذا التحذير الحكومة أمام مسؤولية الاستجابة للأسباب الفعلية للاحتقان. فمشروعية المطالب الاجتماعية وحق الاحتجاج السلمي لا يسقطان بسبب احتمال استغلالهما. كما أن الحديث عن محاولات لتحريك الشارع لا يقدم، بذاته، جواباً عن الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.
ومن نيويورك، حمل لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون المتوسط دوبرافكا شويتسا تطوراً مالياً مهماً. فقد أعلنت المسؤولة الأوروبية أن الاتحاد سيبدأ صرف الدفعة الثانية من حزمة مساعداته للبنان، بقيمة 500 مليون يورو، وشدّدت على مواصلة الإصلاحات.
وأكد سلام أولوية دعم العودة والتعافي في الجنوب، واستعادة الخدمات الأساسية في المناطق المتضررة. ويتيح الدعم الأوروبي المرتقب فرصة لدفع هذا المسار، على أن تتضح البرامج المستفيدة وآلية الصرف وجدوله.
فالإعلان لا يعني وصول كامل المبلغ، ولا يحدد تخصيصه كله لإعمار الجنوب. ولذلك، تحتاج الحكومة إلى عرض وجهة التمويل ومراحل استخدامه، بما يتيح تقييم أثره الفعلي على الخدمات والتعافي.
وتزداد أهمية التنفيذ في ضوء التحذيرات الاقتصادية. فالمساعدات تمر عادة بمراحل إدارية، فيما تتراكم الأعباء المعيشية يومياً. ولا تستطيع الأسر تعليق احتياجاتها إلى حين اكتمال برامج التمويل. وهذا يفرض على الحكومة إطلاق استجابة عاجلة ضمن إمكاناتها، بالتوازي مع العمل على الدعم الخارجي والإصلاحات.
إقليمياً، بقيت إشارات التفاوض متداخلة مع التصعيد. فقد أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمام الأمم المتحدة رفض الخضوع للضغط الأميركي، مع إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحاً. وفي المقابل، هدّد أمين مجلس الأمن القومي محسن رضائي بتعطيل مطارات الدول المجاورة إذا تعاونت لوقف الرحلات الإيرانية.
ولا تتيح هذه المواقف وحدها الجزم باتجاه المواجهة، كما لا تثبت وجود تفاهمات تشمل لبنان. ولذلك، يبقى التحرّك اللبناني مطالباً بمتابعة استحقاقاته، من دون تعليقها على انفراج إقليمي لم تتضح شروطه.
وفي الأسواق، ارتفع خام برنت خلال التداولات إلى نحو 101 دولار للبرميل. ويضيف استمرار الأسعار المرتفعة ضغطاً محتملاً على كلفة الطاقة والنقل والإنتاج في لبنان، وإن كان حجم الأثر المحلي يتوقف على مدة الارتفاع وانتقاله إلى الأسعار.
وفي الداخل، نفى رئيس المجلس الدستوري القاضي طنوس مشلب صدور قرار بشأن الطعن بقانون العفو العام، مؤكداً أنه لا يزال قيد الدرس، وأن الوثيقة المتداولة تتعلق بمراجعة أخرى. ويعيد هذا التوضيح الملف إلى مساره القانوني، بعد الالتباس الذي أثاره تداول الوثيقة.
وأمام هذه الوقائع، تتقدم أولويتان: استكمال التحرّك الرئاسي لمنع الفراغ وتوفير شروط عمل الجيش، ومباشرة إجراءات حكومية تخفف الضغط المعيشي. وفي الحالتين، ستكون العبرة في التنفيذ.
فالجنوب يحتاج إلى حماية تتيح لأهله العودة والبقاء، والمواطنون يحتاجون إلى قرارات تحد من استنزافهم. وبين التحذير الميداني والتحذير الاقتصادي، يصبح عامل الوقت جزءاً من مسؤولية الحكومة: التحرّك قبل اتساع الأزمة، لا بعد أن تفرض كلفتها على الجميع.