استمع لاذاعتنا

نيويورك تايمز: هذا هو المأزق الذي يواجهه شيعة لبنان

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا للصحافيتين فيفيان يي وهويدا سعد، تقولان فيه إن هناك عبارة لبنانية “أكل كف”، تصف ما حصل لعدد من المتظاهرين ضد الحكومة الذين أظهرتهم كاميرا التلفزيون وهم يهتفون ضد زعيم حزب الله حسن نصر الله، في أوائل أيام الانتفاضة اللبنانية.

 

وتعلق الكاتبتان قائلتين إن “هذه الصفعات التي تلقوها من حزب لا يتحمل قليلا من النقد، ويتمتع بنفوذ كبير في الحكومة اللبنانية، قد تكون جسدية أو كلامية، وأيا كان فإن المتظاهرين ظهروا ثانية على التلفزيون بعد عدة أيام، وظهر عليهم الكبت، وكانت هذه المرة للاعتذار”.

وينقل التقرير، الذي ترجمته “عربي21″، عن أحدهم، قوله بصوت وديع، مستخدما عبارات التبجيل لحسن نصر الله، الذي اتهمه المتظاهر سابقا بأنه تسبب لمجتمعه بالجوع: “السيد يعني الكثير بالنسبة لي، هناك آلاف من المعجبين به، لكني ربما رقم 100 على القائمة”.

وتقول الصحيفة إن ذلك الاعتذار كان سابقا لانتقام أكثر عنفا ضد المتظاهرين من المجتمع الشيعي، وهي الطائفة الأكبر من بين 18 طائفة دينية معترفا بها في لبنان، التي اعتمدت على حزب الله لحمايته وللحصول على وظائف وخدمات اجتماعية، وبالنسبة للبعض فهي تجسد الشعور بالنضال المشترك ضد إسرائيل وغيرها من الأعداء.

وتفيد الكاتبتان بأنه في الوقت الذي يتعثر فيه لبنان ليدخل الشهر الخامس من الانهيار السياسي والاقتصادي، لا تزال الاحتجاجات التي تتضمن متظاهرين من الخلفيات كلها، يتحدون في ازدرائهم للزعماء الذين لا يستطيعون توفير الأساسيات، مثل الكهرباء على مدار الساعة، واقتصاد فعال، وحكم يمكن أن يوثق به.

ويستدرك التقرير بأن الاحتجاجات وضعت الكثير من الشيعة اللبنانيين في معضلة: كيف يمكن لهم أن يوفقوا بين ولائهم لحزب الله ودعم الحزب للوضع القائم؟ وهل سيواصل حزب الله محاولة إطفاء الثورة، أم أنه سيستمع إليها؟

وتورد الصحيفة نقلا عن علي إسماعيل (51 عاما)، وهو متظاهر في كفر رمان، وهي بلدة في جنوب لبنان يسيطر عليها “الحزبان”، كما يطلق على حزب الله وحركة أمل، قوله: “أدعم المقاومة ضد إسرائيل.. لكني أيضا أدعم المقاومة ضد الفساد”.

وتبين الكاتبتان أن ما مر به إسماعيل مؤخرا يشبه ما مر به الكثير من المحتجين اللبنانيين، فقد أصبح مثقلا بالدين حتى أنه لا يستطيع دفع رسوم المدارس لأبنائه، فيما قالت زوجته، فرح، إن أبواب وظائف التدريس أغلقت أمامها لأنها تقتقر إلى العلاقات الحزبية.

ويجد التقرير أنه حتى الرجل الذي اعتذر علنا لنصر الله، فإنه قد يكون اعتذر عن الشتيمة التي وجهها، لكن ليس عن مناشدته، فقال: “الرجاء ساعدونا.. نحن نموت جوعا وليس لدينا عمل”.

وتنقل الصحيفة عن المحللة المتخصصة في الشأن اللبناني في معهد الشرق الأوسط، رندة سليم، قولها إن الاحتجاجات بين الشيعة تنطلق جزئيا من نجاح حزب الله العسكري وفي الوقت ذاته إهماله للقضايا المحلية.

وتؤكد الكاتبتان أن التهديدات الأمنية التي حشدت قاعدة لحزب الله، سواء كانت إسرائيل أو المتطرفين السنة في الجارة سوريا، تراجعت في مستوى إلحاحها، مشيرتين إلى أنه عندما دخل حزب الله السياسة اللبنانية عام 2005 لحماية وضعه بصفته جيشا موازيا، فإنه دعم الافتقار إلى الكفاءة والفساد اللذين سادا الحكومة، بدلا من تنفيذ وعوده بالإصلاح.

ويشير التقرير إلى أنه بسبب العقوبات الأمريكية على حزب الله وراعيته إيران، فإن الحزب لم يعد يتمكن من تقديم الدعم والخدمات والوظائف التي كان يعتمد عليها مؤيدوه، في الوقت الذي أصبح فيه الاقتصاد اللبناني يترنح، لافتا إلى أنه كما هو الحال بالنسبة لغيره من الحركات التحررية، فإن حزب الله وجد الحكم أكثر تعقيدا من حرب العصابات.

وتورد الصحيفة نقلا عن سليم، قولها: “لم يضع حزب الله قضايا المعيشة على سلم أولوياته، لكنه فجأة يواجه مجتمعا يقول إن لقمة العيش أولوية له.. والحزب الآن جزء من حكومة فاسدة، فهم لا يستطيعون إلقاء اللوم على الآخرين بسبب الفساد؛ لأنهم جزء من معادلة الفساد. ولذلك فالسؤال هو كيف سيكون رد فعلهم؟”.

وتلفت الكاتبتان إلى أن حركة أمل تبني الولاء من خلال الوظائف والمحسوبية، إلا أنه ينظر إلى زعيمها، نبيه بري، رئيس البرلمان، على نطاق واسع بأنه أحد أعمدة الفساد في الطبقة السياسية الحاكمة.

ويفيد التقرير بأن كلا من حزب الله وحركة أمل تحركا إلى الآن للحفاظ على الوضع القائم، وتراجعت المظاهرات في المناطق ذات الأكثرية الشيعية بشكل ملموس، في الوقت الذي تحرك فيه الحزبان لخنق الانتفاضة، مشيرا إلى أنه كون راعية حزب الله، إيران، تعاني من المزيد من الضغط محليا وفي الخارج، ولتزايد التوتر بينها وبين أمريكا، فإن المحللين يقولون إن حزب الله يحتاج أكثر من أي وقت آخر للحفاظ على قوته ونفوذه في لبنان.

وتنوه الصحيفة إلى أن نصر الله، الذي يحظى باحترام حقيقي لدى الكثير من الشيعة، انتقد في البداية الاحتجاجات التي بدأت في تشرين الأول/ أكتوبر، ودعا مؤيديه للذهاب إلى بيوتهم، ما أدى ببعض الشيعة إلى مغادرة المظاهرات في الشوارع، مشيرة إلى أن شجارات عنيفة اندلعت عندما طالب المتظاهرون برحيل نصر الله، وهتفوا: “كلن يعني كلن – نصر الله واحد منن”.

وتقول الكاتبتان إن كثيرا من غير أعضاء حزب الله يحسبون لنصر الله طرد إسرائيل من الأراضي التي احتلتها لمدة 18 عاما في جنوب لبنان، مشيرتين إلى أن ما يتمتع به من كاريزما ومصداقية يفوق ما تملكه الشخصيات السياسية اللبنانية الأخرى: فابنه قتل في الوقت الذي كان يقاتل فيه الإسرائيليين، وعلى عكس من يعيشون في القصور ويسافرون كثيرا والموجودين في مفاصل الحكومة كلها، فإنه عادة ما يعد بأنه غير قابل للإفساد.

وينقل التقرير عن غازية الأطرش (40 عاما)، وهي متظاهرة انضمت الى الاحتجاجات في بيروت من بعلبك، التي تشكل قلب الريف الذي يسيطر عليه حزب الله، قولها: “نحب السيد حسن نصر الله في البلد لكن هنا نحب لبنان”، ولدى سؤالها إن كان نصر الله يتحمل مسؤولية بسبب الفشل الواقع في لبنان، أجابت الأطرش: “إنه ليس جزءا من الحكومة”، ولذلك فالجواب “لا”.

وتشير الصحيفة إلى أنه مع أن نصر الله لا يشغل منصبا حكوميا، إلا أن حزبه كان مسيطرا على الحكومة الماضية، التي استقالت وسط الاحتجاجات التي وقعت في تشرين الأول/ أكتوبر، وكذلك في الحكومة الجديدة التي تم تشكيلها في كانون الثاني/ يناير.

وتلفت الكاتبتان إلى تكرار اجتياح مؤيدي حزب الله وأمل مواقع الاحتجاج في بيروت وغيرها من المدن وضرب المتظاهرين بالعصي والأيدي، مع أن الحزبين لم يشجعا علنيا تلك الهجمات، وردد المهاجمون شعارات الحزب أو ببساطة “شيعة.. شيعة.. شيعة”.

وينوه التقرير إلى أنه في مقابلات في المناطق ذات الأكثرية الشيعية تحدث المتظاهرون عن استقبالهم تهديدات عبر الهاتف، أو تهديدات مسجلة صوتيا عبر تطبيق “واتساب” من مجهولين، يحذرونهم من “الأثر السلبي على حياتكم”، أو زيارات من ممثلين عن حزب الله أو عن أمل يطالبونهم بعدم الاستمرار في التظاهر.

وتورد الصحيفة نقلا عن محمد دياب عثمان (29 عاما)، الذي كان يساعد في تنظيم مظاهرات صغيرة لكنها مستمرة في بعلبك، قوله إنه تم كسر زجاج سيارته بعد أول يوم من المظاهرات في أواسط تشرين الأول/ أكتوبر، مشيرا إلى أن معارفه قد حذروه بأن منتمين للحزب يصنفونه على “واتساب” بأنه خائن.

وقال عثمان، الذي يقول إنه حرم من 36 وظيفة حكومية قدم لها بعد تخرجه من الجامعة بسبب افتقاره إلى العلاقات الحزبية: “الثورة هي أملنا الوحيد، وإن سحقت نكون قد انتهينا”، لكنه يتفاءل بأن هناك تغيير،ا فقال: “عندما انتقد نصر الله الثورة، سقط القناع عن الجميع”.

وترى الكاتبتان إنه ربما يكون أكثر أساليب حزب الله فعالية في يده هو التلميح إلى أن الاحتجاجات هي نتاج مؤامرة أجنبية ضد الشيعة الذين لديهم شعور بالمظلومية يعود لقرون.

وينقل التقرير عن بعض الشيعة الذين أيدوا الانتفاضة ابتداء، قولهم إنهم أصبحوا مقتنعين بأن أمريكا تتحرك بسرية للضغط على حزب الله وشركائها الشيعة في إيران والعراق: “فكيف يمكن لك تفسير قيام انتفاضات في الدول الثلاث؟”.

وتؤكد الصحيفة أن هذه الشكوك تكرست بعد قتل أمريكا للواء قاسم سليماني، وهو قائد كبير في إيران، في بدايات كانون الثاني/ يناير.

وتورد الكاتبتان نقلا عن أحمد، الذي يعمل قصابا في بيروت، ولم يرد ذكر اسم العائلة لأنه لا يريد إزعاج زبائنه من الطوائف الأخرى، قوله: “إنهم كانوا يحاولون هزيمة حزب الله على مدى سنوات”.

ويستدرك التقرير بأنه عندما يكون المحتجون أصدقاء وجيرانا وأقاربا، فإنه ليس من السهل وصمهم بأنهم أدوات أجنبية، وكان بينهم محاربون سابقون وأقارب لشهداء قاتلوا مع حزب الله، من الصعب فصلهم.

وتذكر الصحيفة أنه كان من بين المتظاهرين رابح طليس، وهو عضو في حزب الله حتى عام 2013، قتل كل من ابن عمه وصهره خلال القتال إلى جانب حزب الله في سوريا، وأشار طليس إلى الرجال الشيعة الآخرين المشاركين واحدا تلو الآخر بينما كانوا يجتمعون في غرفة في بعلبك:
وسأل: “هل تعمل؟” فهز الرجل رأسه.
وسأل آخر: “هل تعمل”، فهز رأسه أيضا.

وقال طليس: “وأنا لا أعمل.. كلنا عاطلون عن العمل”.

وتنقل الكاتبتان عن جاد جارجوي (20 عاما)، وهو أحد المتظاهرين في طرابلس، وكان قد تطوع مع حزب الله في سوريا لعدة أشهر لكنه عاطل عن العمل الآن، قوله إنه استمر في الاحتجاج بالرغم من معارضة عائلته، وزيارة من أحد قيادات الحزب المحلية، وأشار إلى أنه لم يتم تهديده بشكل مباشر، إلا أن مهاجما مجهولا طعنه في ذراعه في إحدى الليالي.

ويورد التقرير نقلا عن جارجوي، قوله: “سألني أبي لماذا أدخل نفسي في مشكلات.. لكني قلت له إنني أقوم بما هو صحيح”، وأضاف أنه لا يزال مؤيدا لقضية حزب الله، لكن ليس لسياسة الحزب المحلية، فقال: “المقاومة فوق الشكوك، لكني ضد أعضاء البرلمان من الحزب”.

وتستدرك الصحيفة بأنه كلما استمرت المظاهرات دون تغير سياسي واقتصادي مهم فإن الكلل والإحباط سيتسللان إلى نفوس المتظاهرين، فمثلا يقول إيهاب الحسني (29 عاما)، من مدينة صور، وشارك في الاحتجاجات منذ اليوم الأول، إنه فقد الأمل في حصول تغيير سريع، ويخطط لمغادرة البلد، لكنه يعتقد أن المتظاهرين حققوا على الأقل إنجازا واحدا.

وتختم “نيويورك تايمز” تقريرها بالإشارة إلى قول الحسني: “كان الناس يستمعون إلى خطابات نصر الله دون طرح أسئلة.. لكن الآن مع أنهم لا يزالون يؤيدونه، فإنهم بدأوا يطرحون الأسئلة”.