الأربعاء 13 ربيع الأول 1448 ﻫ - 26 أغسطس 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

لبنان يفكّك الدولة الموازية ويعيد تعريف الهويّة الوطنيّة

نداء الوطن
A A A
طباعة المقال

لم يعد توصيف الدولة اللبنانية بـ “الضعيفة” كافياً للإحاطة بتعقيدات المشهد الراهن؛ فنحن أمام حالة متقدمة من “السيادة الهجينة” التي لم تكن يوماً نتاجاً لفشل مؤسسي عفوي، بل هي ثمرة عملية واعية وممنهجة يمكن وصفها بـ “هندسة الهشاشة”. في هذا النموذج، تحولت الهشاشة من حالة عرضية إلى استراتيجية بقاء، حيث عمد الفاعل غير النظامي إلى تفكيك مؤسسات الدولة وتصنيع واقع أمني يُقنع المواطن بأن ضعف المؤسسات البنيوي هو الضمانة الوحيدة لاستمرارية الخدمات والأنظمة الموازية. هذا الاستلاب السيادي المزمن جعل الدولة “واجهة” قانونية لواقع أمني تقوده قوى لا تخضع للمساءلة، مما أدى إلى استشراء “ولاء وظيفي” بديل، استبدل مفهوم المواطنة الدستوري بـ “واجب عقائدي” تجاه مشروع عابر للحدود.

هذا التشرذم السيادي استمد ديمومته من الثغرات البنيوية لاتفاق الطائف، متدثراً بـ “غموض بنّاء” أتاح التمييز الفضفاض بين سلاح “المقاومة” وسلاح الدولة. وفي هذا المسار، لطالما شدد السفير السعودي السابق، وليد البخاري، على ضرورة سد تلك الثغرات، أكانت أمنية عبر ضبط المعابر والمخدرات، أو سياسية عبر شد الخناق على حزب الله؛ وهي إجراءات لو قُدّر لها التنفيذ في حينها، لكان لبنان ما زال يتمتع بغطاء عربي كامل. هذا التوجه تعزز اليوم مع تولي السفير فهد بن عبد الرحمن الدوسري مهامه الدبلوماسية، والذي جسد هذا المسار في زيارته الميدانية لمعبر المصنع برفقة وزير الأشغال العامة والنقل، حيث تفقد أجهزة التفتيش الحديثة (السكانر) الخاصة بتصدير المنتجات اللبنانية، مؤكداً في جولته ولقاءاته التعارفية على موقف المملكة الثابت في دعم الدولة اللبنانية ومساعيها لاستعادة سيادتها، في رسالة مباشرة تعيد الاعتبار لهيبة المعابر الرسمية.

لقد شهد مفهوم “المقاومة” تحولاً جذرياً؛ فبعد أن كان يُسوق كحالة تحررية، تحول بفعل افتعال حروب عبثية على حساب الدولة اللبنانية – الدولة الأصلية بمؤسساتها وشعبها، لا الدولة الموازية التي تقتات على الخراب – إلى “إرهاب” موصوف. هذا التحول لم يكن صدفة، بل نتيجة لانكشاف دور الحزب كأداة تدير نزاعات إقليمية تقوض السلم الأهلي اللبناني. لقد وصل هذا الانقلاب السردي إلى ذروته بقرارات الدولة اللبنانية التي اتخذت طابعاً سيادياً بمواءمة تشريعاتها مع مقتضيات مجلس الأمن (القرارات 1559، 1680، و1701). إن هذا التصنيف، المقترن بالتصنيف الأميركي (Redesignation) في أغسطس 2026، شكّل ضربة قاضية لسردية “المقاومة”؛ حيث سقط الغطاء عن “وكالة خارجية” تتبع فيلق القدس، مما فكك عقوداً من “الشرعية الغامضة” التي كانت تستر الهشاشة المستدامة، وحوّل الانتماء للحزب من “خيار وطني” إلى انخراط في “وكالة خارجية” تتصادم مع الشرعية الدولية.

وفي قلب هذه المواجهة، تبرز “المدنية الدستورية” كأداة تفكيك جوهرية. إن كلمة “المدنية” بحد ذاتها في الدستور اللبناني ليست مجرد توصيف، بل هي “مبدأ ناظم” كفيل بتفكيك الدعم الديني لعقيدة حزب الله التي ترعى “ولاية الفقيه”؛ فالدولة المدنية هي النقيض الفلسفي والقانوني لأي نظام ثيوقراطي عابر للحدود. ولتحويل هذه المدنية إلى واقع، يأتي اعتماد “النموذج النرويجي” للأمن الإنساني؛ حيث تُعدّ السيادة “عقد أداء” لا عقيدة ميليشياوية. هذا النموذج الذي تبنته الدبلوماسية اللبنانية – عبر زيارات الرئيس جوزاف عون لواشنطن في تموز 2026، ودور السفيرة ندى حمادة معوض في إدارة مفاوضات حاسمة رغم حملات التشويه – يضع المواطن في مركز المعادلة، ويُفرغ المؤسسات الموازية من وظيفتها عبر تقديم بدائل خدمية رسمية كفؤة، مما يجعل الدولة هي الملاذ الوحيد للفرد، لا “القرض الحسن” أو المنظومات الأيديولوجية.

لقد كانت الحرب الأخيرة بمثابة “لحظة الحقيقة” التي سقطت فيها الأقنعة؛ إذ كشفت الهجمات التقنية واستهداف القيادات عن هشاشة “الجهاز العصبي” للفاعل الموازي، وأثبتت أن الترسانة العسكرية ليست “درعاً” بل قيدٌ جعل الوطن رهينةً لقرار “وحدة الساحات”. من هنا، تبرز ضرورة الانتقال إلى استراتيجية “المنافسة السيادية” و”نزع السلاح الذكي”، عبر سحب “شرعية الأداء” من يد الحزب، وإخضاع المنظومة المالية للرقابة الرسمية، وتفعيل برامج “الإدماج الوطني” لأفراد الميليشيا ضمن قطاعات الاقتصاد الرسمي.

تتطلب هذه الاستراتيجية “مأسسةً للسيادة” تبدأ من الرقابة الصارمة على المنافذ الحدودية، وهو ما يتقاطع مع رؤية المملكة العربية السعودية في دعم انتظام الدولة، وتاتي زيارة السفير السعودي الى الحدود لفرض التوازن بين الطرف اللبناني والسوري، لمنع استغلال طبقات الأعمال بالطرف السوري، على طاولة رجال الاعمال المشتركة التي تعيد النظر بالاتفاقيات، لهشاشة الدولة في فرض شروطها، وقطع الطريق على تحويل الحدود إلى مصدر قوة لدول أخرى تستغل الضعف اللبناني بظل تدفق التمويلات والاستثمارات على واقعها المستجد. كما لا بد من صياغة “عقيدة وطنية” جديدة للجيش اللبناني تخرجه من الحياد إلى “الضامن الإيجابي” للاستقرار، مدعوماً بتفويض شعبي عابر للطوائف، وقرار سياسي جريء ينهي “وحدة الساحات” ويعيد لبنان إلى “وحدة الدولة”.

إن لبنان لا يواجه اليوم أزمة سلاح فحسب، بل أزمة وجود. إن “هندسة السيادة” هي الطريق الأوحد للعبور نحو مستقبل لا يُكتب فيه مصير اللبنانيين في عواصم الخارج، بل في أروقة المؤسسات الدستورية. إنها لحظة استرداد الهوية الوطنية من أسر الأيديولوجيات؛ لحظة إعلاء “المدنية” فوق “العقائدية”، وتثبيت راية العلم اللبناني وحدها فوق كامل ترابنا الوطني، في دولة لا تقبل الشريك، ولا تعترف بغير القانون مرجعاً، ولا ترضى بغير الدولة الفاعلة بديلاً للساحة المستباحة.