الخميس 10 محرم 1448 ﻫ - 25 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الجنوب على مفترق تسوية تاريخية... والاختبار يبدأ من "المناطق النموذجية"

الجمهورية
A A A
طباعة المقال

تتقدم المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن وسط رهان دولي متزايد على الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، في مرحلة انتقل فيها البحث من العناوين السياسية العامة إلى التفاصيل التنفيذية المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني. وفي موازاة ذلك، برزت للمرة الأولى عقدة داخلية تتصل بحصرية السلاح ودور “المناطق النموذجية”، ما يضع قدرة الدولة على بسط سلطتها على الأرض أمام اختبار حقيقي.

وتصف مصادر دبلوماسية مطلعة على مسار التفاوض الأجواء الحالية بأنها الأكثر إيجابية منذ انطلاق هذا المسار، مشيرة إلى أن النقاشات انتقلت من المبادئ العامة إلى البحث العملي في خرائط الانسحاب الإسرائيلي وآليات انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي سيتم إخلاؤها تدريجياً.

وأكد دبلوماسي مطلع أن المؤشرات الواردة من واشنطن والعواصم الراعية للمفاوضات تعكس وجود فرصة جدية للمرة الأولى لربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بتوسيع انتشار الجيش اللبناني وتعزيز سلطة الدولة على الأرض، بما يشكل مدخلاً أساسياً لإنهاء الحرب بصورة مستدامة وإعادة الاستقرار إلى الجنوب.

وأوضح أن النقاش لم يعد يتمحور حول مبدأ الانسحاب بحد ذاته، بل حول آليات تنفيذه. وكشف أن الجانب الإسرائيلي أبدى للمرة الأولى استعداداً لقبول انتشار الجيش اللبناني داخل مناطق لا تزال خاضعة للاحتلال تمهيداً للانسحاب منها، وهو تطور تنظر إليه واشنطن والعواصم الأوروبية كخطوة عملية يمكن البناء عليها للوصول إلى تفاهمات أوسع.

غير أن العقدة الأساسية، وفق المصادر نفسها، لم تعد إسرائيلية بقدر ما أصبحت داخلية لبنانية، وتتعلق بما يعرف بـ”المناطق النموذجية” أو “التجريبية”، التي يُفترض أن تشكل نموذجاً أولياً لتطبيق مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة وانتشار الجيش اللبناني بشكل كامل.

ويعتبر الوسطاء الدوليون هذه المناطق اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في تنفيذ التزاماتها، خصوصاً أن المجتمع الدولي لا يطالب بخطوات شاملة وفورية، بل بمسار تدريجي يثبت أن قرار استعادة الدولة لسلطتها على كامل الأراضي اللبنانية أصبح قراراً عملياً لا مجرد إعلان سياسي.

وتكمن الإشكالية، بحسب المصادر، في رفض “حزب الله” أن تشمل أي منطقة تجريبية أراضي تقع شمال نهر الليطاني، وإصراره على حصر البحث بالمناطق الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي جنوب الليطاني.

ويرى الدبلوماسي المطلع أن هذا الموقف يكشف جوهر الخلاف الحقيقي، لأن أي منطقة نموذجية شمال الليطاني ستعني عملياً بدء اختبار ميداني لمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة خارج نطاق الاحتلال الإسرائيلي، ما قد يفتح الباب تدريجياً أمام تعميم هذا النموذج على مناطق لبنانية أخرى.

وأضاف أن رفض هذا الخيار يضعف الموقف اللبناني التفاوضي، لأن المجتمع الدولي بات يربط بين الانسحاب الإسرائيلي وقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها الأمنية بصورة تدريجية وفعالة. فكلما تأخر إثبات قدرة الدولة على الإمساك بالأرض، ازدادت الحجج التي تستخدمها إسرائيل لتبرير استمرار وجودها في المناطق التي تحتلها أو للمطالبة بضمانات إضافية قبل أي انسحاب.

وأشار كذلك إلى أن تشدد “حزب الله” في مواقفه يرتبط بالضغط الإيراني الرافض لتحويل لجنة الرقابة التي نتجت عن المفاوضات الأميركية – الإيرانية في سويسرا إلى إطار شكلي يقتصر على إصدار البيانات من دون صلاحيات تنفيذية، لا سيما أنها لا تضم الطرف الإسرائيلي الذي يشكل محور النزاع الأساسي.

وفي موازاة ذلك، يتعزز الرهان الأميركي والأوروبي والعربي على المؤسسة العسكرية اللبنانية باعتبارها الجهة الشرعية الوحيدة القادرة على إدارة المرحلة المقبلة. ولهذا السبب، يجري البحث جدياً في إعادة إحياء مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني ضمن سلة أوسع تشمل مساعدات سياسية واقتصادية وعسكرية للبنان، إضافة إلى برامج تدريب وتجهيز جديدة تتناسب مع حجم المسؤوليات المنتظرة من المؤسسة العسكرية.

وأكد الدبلوماسي أن واشنطن تنظر إلى الجيش اللبناني باعتباره حجر الأساس في أي ترتيبات مستقبلية، وهو ما انعكس في مواقف الإدارة الأميركية الداعمة لتعزيز دور الدولة اللبنانية وتمكينها من بسط سيادتها على كامل أراضيها.

وختم بالتشديد على أن المجتمع الدولي ينظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها “فرصة ثانية” للبنان بعد سنوات من التعثر، وأن نجاحها مرهون بقدرة الدولة على ترجمة التزاماتها إلى خطوات عملية على الأرض. كما أن الرسالة التي وصلت إلى المسؤولين اللبنانيين من العواصم المعنية واضحة: الطريق إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل يمر عبر تعزيز دور الجيش اللبناني وحصرية السلاح بيد الدولة، وليس عبر استمرار واقع الازدواجية الأمنية الذي يمنح إسرائيل ذرائع للبقاء في أجزاء من الجنوب ويؤخر الوصول إلى تسوية دائمة ومستقرة.