هكذا قسّمنا قلم “سايكس بيكو” برسم الخرائط، “لبنان كبير”، بصدق العنوان، كبيرٌ بأثقال الإنتماءات، الخوف من الديمغرافيا وعقد التاريخ من شرعة المتصرفيّة. فقد علّمتنا الجغرافيا القاسيّة أن نحتسب بعضنا نحن الطوائف بالارقام لا بقيمة المواطنيّة، ننتظر واهمين في عقولنا المبرّمجة أن يأتي الآخر ويبتلعنا… هو لم يكن من ضمن اللاوعي الجماعي هذا، بل من وعي الإنتماء للوطن. من اللحظة الأولى لبروزه على الساحة السياسيّة في التسعينيات، واجه رفيق الحريري أصعب حروب الإلغاء، من عرقلات تشريعيّة، إلى شيطنة إقتصاديّة… لكن الأكثرها إيلاماً أتت من النازيّة القبليّة اللبنانيّة، التي تعشق فنون التخويف من الآخر، وإبقاء الناس في حياة الملاجىء والحواجز ولو عقلياً فقط.
“إنظروا إلى شجر النخيل في أوتوستراد جونيه”، علامات آخرة الوجود، رفيق الحريري إشترى أرض الوقف في الكسليك، الحريري يؤسلم لبنان… شعارات كالماركات التجاريّة سوّق لها بدهاء التآمر وخبث السياسة.
لكن الحرب لها طرفان، أما هو فقرر أن لا يمنحهم متعة الطرف الثاني، هم الذين تمترسوا في حروب الإلغاء وديماغوجيّة تكسير رأس الأسد، هم من كنيرون أحرقوا مناطقهم وكقبطان سفينة جبانٍ، هربوا من أمام الصفوف.
رفيق الحريري، الذي كان يُحتضن بعاطفةٍ بوليسيّة وكبرٍ بطرسي في الفاتيكان، رفيق الحريري الذي لم تعرف سجلات موارده البشريّة في التلفزيون، الصحيفة، سوليدير، مصرف البحر المتوسط، ولا حتى من كبار مستشاريه أيّة خانة للطائفة، رفيق الحريري الذي بنى مقرّاً لسكناه في عمق كسروان في فقرا، وشقّ أوتوسترادات وخطط لمشاريع في المناطق ذات الغالبية المسيحية حلّت الكثير من المشكلات. هو رفيق الحريري، الذي ربطته علاقة كبيرة مع بكركي والبطريرك مار نصر الله بطرس صفير، وهو نفسه الذي قالها واضحة لا لبس فيها للراحل سمير فرنجية، لا حكومة مقبلة دون لقاء قرنة شهوان. وكل هذا الكلام دون إحتساب الالاف من الطلاب المسيحيين الذين حصلوا على منحٍ دراسيّة من مؤسسته الإجتماعيّة.
إنه رفيق الحرير، المعتدل المنتمي إلى وطنٍ أراده صيغة حياة وليس فقط تعايش، هو الذي قال أن المسيحي المعتدل أقرب إليّ من المسلم المتطرّف. هو الذي تحمّل أقسى ضربات الغوغائيّة النازيّة، هي نفسها التي أوصلتهم إلى تبّؤ الزعامات بعار الوسائل، هي نفسها التي أسقطتهم اليوم بفعل خيبات الشارع. هم رحلوا من وجدان الناس… أما رفيق الحريري، فله من كتاب التاريخ حصّة الكبار.