مع وصول لبنان الى القعر وبعدما وصف البنك الدولي الازمة الاقتصادية المالية والنقدية بين الازمات الثلاث الأسوأ في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، لا بدّ من استذكار او الترحّم على فترة النهوض الاقتصادي التي شهدها لبنان أيام الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
استلم الرئيس الشهيد رفيق الحريري رئاسة الحكومة في العام 1992، حين كان الوضع الاقتصادي شبيها نوعا ما بما يمرّ به لبنان حاليا، من حالة انكماش وارتفاع في نسبة التضخم والبطالة وانهيار في سعر صرف العملة المحلية وشلل اقتصادي تام.
جاء الرجل القوي ايام الوصاية السورية، فتولّى مهمّة تحفيز الاقتصاد ونجح في استعادة الازدهار والنمو. وبمجرد توليه رئاسة الحكومة، استعادت الليرة زخمها في غضون ايام مرتفعة 15%.
ومع نهاية الحرب الاهلية، كان الاقتصاد اللبناني يعاني تشوهات كبيرة جداً، بالإضافة الى دمار شبه كامل للبنية التحتية والقطاعات الانتاجية الاساسية. فأتى الرئيس الحريري حاملاً مشروعاً كبيراً لإعادة الاعمار وبناء الاقتصاد، يرتكز على اعادة بناء بنية تحتية متطورة من شبكات اتصالات ومواصلات وأبنية ومراكز لتوليد الطاقة، ما ادى الى نمو متسارع للناتج المحلي الاجمالي بين العامين 1993 و1997 بمعدل 8 في المئة. وفي تلك الفترة انخفض التضخم من 131% إلى 29%، كما نجح الحريري في فرض استقرار سعر صرف الليرة واستعادة الثقة المفقودة بها، لتستعيد معها المصارف اللبنانية دورها الريادي في المنطقة ويزدهر القطاع مع تضاعف ودائعه من 7 مليارات دولار في العام 1992 إلى 30 مليار دولار في أواخر العام 1998.
أطلق الرئيس الحريري خطة إعادة إعمار لبنان التي عرفت باسم ” هورايزون 2000 ” ، والتي ركزت على إعادة بناء بيروت عاصمة وواجهة لبنان، وتأهيل منطقة سوليدير التجارية ومرافقها الحيوية. كما اعاد تأهيل البنية التحتية ومرافق الدولة التي دمّرتها الحرب، أبرزها مطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ بيروت. فاستطاع بفترة قصيرة رفع لبنان من بلد مدمر اقتصادياً وأمنياً ومؤسساتياً الى مركز الخدمات في الشرق الاوسط، وقام بتثبيت مكانته الاقتصادية والسياحية في العالم العربي والغربي.
استطاع الحريري بفضل عودة الثقة بلبنان، استقطاب الاستثمارات اللبنانية والعربية والدولية، إلى مختلف القطاعات من السياحة والعقار إلى المال والمصارف وصولاً إلى الصناعة، وتحوّلت بيروت خلال عهده إلى عاصمة لمؤتمرات ومنتديات الاستثمار التي تجذب مئات رجال الأعمال والمستثمرين والشركات، إلى جانب قادة ورؤساء حكومات وكبار المسؤولين في الدول العربية والأجنبية. فهو أول من تمكّن من استضافة القمة العربيّة والقمة الفرنكوفونية في لبنان، بالاضافة الى مؤتمر الأوبك، وهو من وقّع مع الاتحاد الاروربي اتفاقية الشراكة الاوروبية.
عُرف ، بمساعدته ومساندته للشعب اللبناني في تحسين ظروفهم المعيشية، ومن أبرز إنجازاته دعمه الدائم للجمعيات الأهلية وبنائه المراكز الصحية. وفر الحريري فرصا تعليمية لأكثر من 36 ألف لبناني للدراسة خارج البلاد، و120 ألف منحة تعليمية في الداخل، كما حرص على تطوير العديد من المدارس، وأنشأ جامعة “الحريري الكندية” عام 1999.
تركز جهد الحريري على تحفيز العالم العربي والدولي على دعم مسيرة إعادة إعمار لبنان، وغالبا ما نجح في ذلك.
وخلال توليه رئاسة الحكومة في العام 2000، انصرف الرئيس الشهيد إلى العمل لإعادة إحياء الحركة الاقتصادية عبر استكمال برنامج الإصلاحات الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي كان قد بدأها. فبادر إلى طرح فكرة عقد اجتماع دولي لدعم لبنان اقتصادياً ومالياً، واستجاب المجتمع الدولي والهئيات المانحة وعقد مؤتمر باريس “1”، في شباط 2001 نتج عنه تعهد المجتمع الدولي بتقديم 500 مليون يورو على شكل مساعدات وقروض ميسرة للبنان، كما اتفقوا على أن يتم تنظيم مؤتمر آخر موسّع بمشاركة المفوضية الأوروبية والمؤسسات المالية الدولية وبمشاركة عدد من الدول المانحة وهو المؤتمر الذي عرف بمؤتمر باريس 2 والذي عقد في تشرين الثاني 2002 والذي حصل لبنان بموجبه على وعود مالية بقيمة 4.4 مليارات دولار .
الرئيس الشهيد رفيق الحريري لم يستسلم يوماً للازمات بل عمل على ترميم وتوثيق علاقات لبنان العربية والدولية وتوظيفها لخدمة الاقتصاد اللبناني، فهل تتكرر تجربة رفيق الحريري التي يحتاجها لبنان اليوم للخروج من أسوأ أزمة يمرّ بها؟