الخميس 18 ذو الحجة 1447 ﻫ - 4 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

مات… ليحيا لبنان

عرف هذا الوطن الصغير كبريات المصائب، عرف كُره الشقيق الساديّ، العائم على وجه مستنقعات الدم، الراقص بنرجسيّة الجنون على عزف طبول الحرب، المستمتع بلذّة الصفيح الساخن عند الأخ المكسور، والمستلقي براحة اللاضمير عند حدود الجولان المؤجّر بثلاثين من فضّة غزو الكويت والتغاضي عن عرق الأناضول.

عرف هذا الوطن إنكسارات وحروب، خيبات وعزّ شمعونيّ، عرف تعايشا على الأرض وطائفيّة من على أعلى كر اسي الحكم. لكن ما عرفه عام 2005 كان من أبعد حدود مخيلات المعرفة. يوم إغتيل رفيق الحريري، ليقتل لبنان.

حينها كان إبن الأشرفيّة ينظر إلى إبن طريق الجديدة بمنظار الوهم الأهليّ، إبن طرابلس يعتبر أن جونية هي في المقلب الآخر من الدنيا، إبن الجنوب يظنّ أنه معزولٌ عن المحيط اللبناني… لكن في 14 شباط، إمتزجت ناصريّة العروبة بفكر شلح الأرز.

لم ينتظر اللبنانيون لا قرار قيادات و لا إشارة قادة، نزلوا إلى الشارع، تعرّفوا على بعض من جديد، فقد جمعهم هو، الذي جمعهم في المدارس والجامعات، في المؤتمرات والنشاطات الإقتصادية… ها هو في استشهاده يجمعهم على حبات مسبحةٍ ورديّة تعد الله أن لا تفرط حبّاتها، ومصحفٍ مرفوعٍ فوق رؤوسٍ شامخة.

14 شباط 2005، وكأنه البارحة، ذاك الأمس القريب بعدد دقات القلب، البعيد من جراء خيبات الأمل المتأتّية من الساسة الذين لم يكونوا على قدر تطلعات عيونٍ شابّة، هم من أكلتهم تجاعيد المصالح وزيّنهم الشعر الأبيض المتّسخ من غبار الحسابات الضيّقة.

14 شباط، هو لرفيق الحريري، أهداهُ حباً في عيد الحب، لهؤلاء الناس الأوفياء، لمن نصبوا الخيم، رفعوا العلم، وهتفوا بأوتار صوتيّة صلبة… 14 شباط كان آخر يومٍ لرفيق الحريري على الأرض، وأول يوم لجلجلة الحريّة، رفيق الحريري استُشهِدَ… ليحيا لبنان.