إنها دولة تقتل شعبها، وانهم مسؤولون ينتقمون من الناس. صحيح ان ما حصل بين مغدوشة وعنقون خطر للغاية، وصحيح ان اهالي عنقون يتحملون مسؤولية كبيرة عما حصل، باعتبار انهم حولوا خلافا شخصيا الى اعتداء موصوف على مغدوشة واهلها. كل هذا واضح ولا يحتمل الالتباس والتأويل. لكن في المقابل المسؤولية الكبرى تقع على الدولة واجهزتها الامنية ومؤسساتها العسكرية. وقبل ذلك الحق على المسؤولين الذين تركوا الشعب كله يتخانق ويتقاتل ويستميت ويميت للحصول على تنكة بنزين.
فهل معقول هذا الاستهتار بالحياة اليومية للناس؟ بلقمة عيشهم؟ بما تبقى لهم من عزة وكرامة؟ فاين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المستقيل والوزراء المعنيون مما يحصل كل يوم امام محطات البنزين؟ هل يدرون ان الناس المتوترة و”المعصبة” والتعبة من كل شيء في البلد لم تعد تتحمل المزيد من الاذلال والقهر؟ وهل يدرون ان التهافت على المحروقات يؤدي الى سقوط عدد من القتلى يوميا، وان لا شيء يوحي ان مسلسل القتل من اجل “قطرات” بنزين سيتوقف؟ في المقابل، كان المطلوب من الاجهزة الامنية والقوى العسكرية ان تكون اكثر حزما في تعاطيها مع الوضع.
فغير مسموح على الاطلاق في بدايات القرن الحادي والعشرين ان يعتدي اهل بلدة على اهالي بلدة اخرى في لبنان. فبمعزل عن الواقع السياسي المزري، هل نحن في دولة ام في برية حيث تسود شريعة الغاب؟ هل نحن في دولة ام في ادغال، القوي فيها يهاجم الضعيف والمسلح فيها يقاتل الاعزل؟ الاسوأ ان كل هذا لا يعني شيئا لحكامنا، فهم فقط عن حصصهم الوزراية يبحثون، وعن اسماء وزارية معينة يفتشون، وبغير حصصهم المافياوية لا يبالون. فهنيئا لنا بهكذا حكومة مستقيلة للآخر، وهنيئا لنا بالعهد القوي الذي تحول رمزا للضعف والسقوط والانهيار…