قصة الرجل الذي طارد قاسم سليماني.. خفايا الحملة العسكرية ضد إيران ووكلائها في سوريا ولبنان

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

“لقد أصبنا آلاف الأهداف من دون أن نعلن عن مسؤوليتنا أو نطلب التقدير من أحد”.

هكذا يقول غادي أيزنكوت متحدثاً عن الحملة العسكرية غير المعلنة وغير المكتملة التي قامت بها “الدولة اليهودية” ضد إيران ووكلائها في سوريا ولبنان. إذ قرر الجنرال خلال مقابلته الأخيرة بصفته رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي قبل أن يتقاعد هذا الشهر، إعلان مسؤوليته عن تلك الحملة، وأن يحظى على الأقل ببعض الفضل والتقدير.

تُمثل مساهمة أيزنكوت الفكرية الرئيسية في خوض غمار الحرب خلال تلك الحملة في مفهوم “الحملة بين الحروب” – الفكرة القائلة بأن الجهود الحركية المستمرة التي ترمي إلى إضعاف قدرات العدو، تعمل على إطالة أمد الوقت بين الحروب وتحسن من فرص الفوز بها عندما تحين. كما أنه يعتقد أيضاً أن إسرائيل بحاجة إلى تركيز جهودها على عدوها الأخطر والأشد فتكاً، وهو إيران، بدلاً من التركيز على الأعداء الثانويين مثل حركة المقاومة الإسلامية حماس في قطاع غزة. وقد عبر عن ذلك قائلاً، “عندما تقاتل لسنوات ضد عدو ضعيف، فإن ذلك يصيبك أيضاً بالضعف والوهن”.

هذا التفكير هو ما جعل إيزنكوت يصبح أول جنرال إسرائيلي يتخذ إجراء مباشراً لمواجهة إيران، إضافة إلى محاربة وكلائها في لبنان وفي أماكن أخرى. وهكذا تمكن على الأقل حتى الآن، من “إذلال” قاسم سليماني، القائد المحنك لقوات فيلق القدس الإيرانية، التي قادت طموحات طهران في سعيها إلى الهيمنة الإقليمية.

أوضح إيزنكوت قائلاً “لقد عملنا ضمن إطار معين لم نتجاوزه إلى ما قبل سنتين ونصف السنة مضت”، مشيراً إلى السياسة الأولية التي انتهجتها إسرائيل، والمتمثلة بصفة رئيسية في ضرب شحنات الأسلحة المتجهة إلى “حزب الله” في لبنان. وأضاف: “وبعد ذلك لاحظنا تغيراً كبيراً في استراتيجية إيران. فقد تجسدت رؤيتهم في أن يكون لهم تأثير كبير في سوريا من خلال بناء قوة تصل إلى 100 ألف مقاتل شيعي من باكستان، وأفغانستان، والعراق. ولذا فقد بنوا قواعد استخباراتية وقواعد جوية تابعة لهم داخل كل قاعدة جوية سورية. وأحضروا المدنيين لتعبئتهم إيديولوجياً”.

بحلول عام 2016، وبحسب تقديرات أيزنكوت، نشر سليماني 3000 من رجاله في سوريا، إضافة إلى 8000 من مقاتلي حزب الله و11000 مُقاتل آخر من القوات الشيعية الأجنبية. وبلغت قيمة الأموال الإيرانية التي وُجهت نحو تحقيق هذا الهدف 16 مليار دولار على مدى سبع سنوات. وعلى رغم أن إسرائيل صرحت منذ فترة طويلة، بأنها لن تتسامح مع الوجود الإيراني على حدودها، فقد صارت سوريا في هذه المرحلة، مكاناً بدا فيه أن الخطوط الحمر المُعلنة للدول الأخرى يمكن تجاوزها بسهولة.

في كانون الثاني/ يناير عام 2017، حصل أيزنكوت على موافقة الحكومة بالإجماع على تغيير قواعد اللعبة. وأصبحت الهجمات الإسرائيلية أحداثاً شبه يومية. ففي عام 2018 وحده، أسقطت القوات الجوية 2000 قنبلة مفاجئة. وفي أيار/ مايو الماضي، حاول سليماني شن هجوم مضاد للانتقام، بإطلاق “أكثر من 30 صاروخاً باتجاه إسرائيل” (ما لا يقل عن 10 صواريخ مقارنةً بما أُعلن عنه مسبقاً). بيد أن أياً منها لم يصل إلى هدفه، ما دفع إسرائيل إلى الرد بهجوم عنيف أصاب 80 هدفاً منفصلاً تابعاً للجيش الإيراني ونظام الأسد في سوريا.

فلماذا أخطأ إذاً سليماني، وهو المهندس الحاذق لجهود إيران الناجحة إلى حد كبير لترسيخ هيمنتها في العراق، واليمن، وغزة، ولبنان؟ يقترح أيزنكوت أن السبب في ذلك يُعزى إلى مزيج من الثقة المفرطة، استناداً إلى نجاح إيران في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار، والتهوين من عزم إسرائيل على التصدي له، استناداً إلى تاريخ الغرب في التراجع أمام استفزازات طهران.

يقول أيزنكوت، “لقد تمثل الخطأ في اختيار ساحة قتال حيث اتسمت قواته بالضعف نسبياً. إذ إننا نتمتع بتفوق استخباراتي كامل في هذا المنطقة. كما أننا نتمتع بالسيادة الجوية الكامل. فقد كان لدينا رادع قوي، ولدينا مبررات للقيام بهذه الأنشطة”.

وأردف قائلاً بسخرية، “لقد اتسمت القوة التي واجهناها على مدى العامين الماضيين، بأنها قوة حازمة، لكن قدراتها لم تكن مثيرة للإعجاب بدرجة كبيرة”.

يبدو أن أيزنكوت يشعر بالمثل تجاه حزب الله وقائده منذ مدة طويلة، حسن نصر الله. فقد وضعت الجماعة استراتيجية ثلاثية المحاور لغزو على الأقل جزء من منطقة الجليل الواقعة شمال إسرائيل واحتلالها(حتى ولو لفترة وجيزة)، وهي: بناء مصانع في لبنان يمكنها إنتاج صواريخ موجهة بدقة، وحفر أنفاق هجومية تحت الحدود الإسرائيلية، وإقامة جبهة ثانية على الجانب السوري من هضبة الجولان.

بيد أنه حتى الآن، باءت هذه الخطة بالفشل. فقد فُضح أمر هذه المصانع علانيةً، ودُمرت الأنفاق. وواصلت إسرائيل هجومها على مواقع حزب الله في الجولان، وكان آخرها في الشهر الماضي، حين شنت إسرائيل هجوماً ضد موقع استخباراتي في قرية تل القُدني (الذي لم يُعلن عنه من قبل).

يقول إيزنكوت: “أستطيع أن أقول بثقة إنه بينما نتحدث الآن، لا يمتلك حزب الله قدرات [صاروخية] دقيقة باستثناء بعض القدرات الصغيرة والتافهة، في حين أنهم كانوا يأملون بالحصول على مئات الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى”. وهذا يعني أن حزب الله من غير المحتمل أن يشرع قريباً في شن حرب أخرى ضد إسرائيل. وقد تراجع سليماني بقواته من على الحدود مع إسرائيل، وسحب بعضها تماماً. كما أدى استئناف العقوبات الأميركية إلى فرض المزيد من الضغوط على قدرة إيران على تمويل مغامراتها الإقليمية. واعتقدت إسرائيل أيضاً أنها حصلت على مهلة من نوع ما، عندما أشار جون بولتون إلى أن الولايات المتحدة لن تنسحب بسرعة من سوريا، ما سيعرقل جهود إيران لبناء جسر بري إلى دمشق، على رغم أن هذا التراجع يبدو أنه قد اتخذ اتجاهاً عكسياً مرة أخرى.

يقول أيزنكوت، قد تتحول إيران الآن إلى مكان آخر، “بينما نضيق عليهم الخناق في سوريا، سينقلون جهودهم إلى العراق”، حيث لا تزال لدى الولايات المتحدة آلاف القوات. وبفضل غادي إيزنكوت، على الأقل نعرف الآن أن الإيرانيين تمكن هزيمتهم.
المصدر: daraj – ترجمة – New York Times

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

شاهد أيضاً